ضمانًا ماليًا لحقوق المتعاملين، فظهرت بذلك النقود الورقية وأصدرت البنوك أوراق البنكنوت
تسهيلًا للمعاملات، بل إن النقود الورقية منذ منتصف القرن السابع عشر الم يلادي أصبحت
منافسًا قويًا للمسكوكات السلعية (النقود المعدنية) ، وإن بقي النوع الأخير من النقد متداولًا في
معظم البلدان حتى الحرب العالمية الأولى، وبعد إعلان هذه الحرب سنة 1914 م فرضت معظم
الدول السعر الإلزامي للنقود الورقية آخذة في سحب الذهب من التداول إما لاستعماله في شراء
عتاد الحرب، وإما للاحتفاظ به رصيدًا للنظام النقدي، لا يستعمل إلا لضرورة تثبيت قيمة النقد
في الخارج، وهكذا اختفى الذهب المسكوك من التداول والنقد منذ ذلك التاريخ (1) .
وصارت الأوراق النقدية المصدرة من الدولة في صورة نقود وهي ليست في الواقع ذات قيمة
في حد ذاتها، لكن قيمتها في اعتماد الدولة لها، فصارت ملزمة للناس بديلة عن الذهب والفضة
فهي بمنزلتهما وتحل محلهما بحكم القوانين السارية في كل دولة، وذلك على الرغم من أن
الذهب والفضة أثمان في أصل الخلقة أما النقود الورقية فهي أثمان بحكم القانون.
وقد اختلف العلماء المعاصرون في ثمنية النقود الورقية على أربعة أقوال وهي:
القول الأول: النقود الورقية سندات دين على الجهة التي أصدرتها، ولقد قال بهذا مجموعة من
العلماء منهم الشيخ عبد القادر بن أحمد بن بدران، والشيخ احمد الحسيني (2) ، ووجه هذا القول أن
الأوراق النقدية في الأصل نائبه عن العين بتعهد من الجهة المصدرة لها بدفع قيمته ا، أو هي
مستند بذلك الدين.
القول الثاني: النقود الورقية عرض من عروض التجارة، وقد قال بهذا مجموعة من أهل العلم
منهم الشيخ محمد عليش -مفتي المالكية في عصره- (3) ، الشيخ عبد الرحمن السعدي، وبناء على
هذا القول فلا تأخذ النقود الورقية صفة الثمنية، وتسري عليها أحكام العروض من عدم جريان
الربا فيها وعدم صحة السلم بها وعدم وجوب الزكاة فيها إلا إذا كانت معدة للتجارة.
(1) شافعي: مقدمة في النقود والبنوك، ص 49.
(2) نقل رأيهم الدكتور محمد شبير في كتابه: المعاملات المالية المعاصرة، ص 15.
(3) ينظر: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، ج 1، ص 164.