ولذا فقد ظهرت هذه المشكلة باعتبارها قضية اقتصادية اجتماعية في العصور المتأخرة للدولة
الإسلامية، وبطريق التتبع يمكن أن نسجل بعض الوقائع التي حدثت في التاريخ الإسلامي
لنتعرف كيف نظر الفقهاء إلى هذه القضية، وما الحكم الذي انقدح في أذهانهم فعبروا عنه حول
هذه القضية:
ففي عصر النبوة ما نكاد نرى لموضوع تغير النقود حدثًا يطابق صورته المعروفة اليوم، وإنما
نجد بعض الوقائع التي هي من باب الصرف الجائز، وهو اقتضاء أحد النقدين من الآخر فيكون
صرفًا بعين في الذمة في قول أكثر أهل العلم، فقد روى أبو داوود عن ابن عمر -رضي الله
عنهما- قال:"كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ"
بالدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيت
حفصة -رضي الله عنها- فقلت: يا رسول الله رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع
بالدنانير وآخذ بالدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذ ه،
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما"
شيء" (1) ."
قال الإمام أحمد:"إنما يقضيه إياها بالسعر، لم يختلفوا أن يقضيه إياها بالسعر إلا أصحاب"
الرأي: إنه يقضيه مكانها ذهبًا على التراضي، قال: لأنه بيع في الحال فجاز ما تراضيا عليه إذا
اختلف الجنس، كما لو كان العوض عرضًا، وروي عن ابن عمر -رضي الله عنهما-:(أن بكر
بن عبد الله المزني ومسروقا العجلي سألاه عن كرى -أي أجير- لهما له عليهما دراهم وليس
معهما إلا دنانير، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: أعطوه بسعر السوق) (2) ، ووجه اتصال هذا
الحديث بموضوع تغير النقود، هو أن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يأخذ بدل الدنانير
دراهم أو بدل الدراهم دنانير، وقد يكون حالًا أو مؤجلًا، وفي الأجل قد يتغير سعر الصرف أي
قيمة ما دفع أولًا يوم البيع عن يوم الأداء، فبين النبي-صلى الله عليه وسلم- أن يأخذ بسعر يوم
(1) رواه أبو داوود في سننه، كتاب البيوع، باب (14) في قضاء الذهب من الورق، حديث رقم (3354) ، مؤسسة الكتب
الثقافية، بيروت- لبنان، ط 1، 1409 ه، 1988 م، ج 2، ص 270.
(2) المقدسي، موفق الدَّيْن أبو محمد عبد بن أحمد بن قدامة: المغني، دار الفكر، بيروت- لبنان، 1414 ه - 1994 م،
ج 4، ص 38.