يحمل الناس فوق ما يطيقون، وإن رجح أو تيقن ضرر ومفسدة عامة في ترك التغيير وجب
حينئذ سدًا للذريعة وحفاظًا للحقوق وإن ترتب على ذلك تفويت بعض المصالح تبعًا لقاعدة درء
المفاسد أولى من جلب المصالح، وأما في عصرنا الحديث فإن القواعد الفقهية التي ذكرناها
والتي بنى عليها الفقهاء نظرهم في طبيعة موضوع تغير النقود وآثاره بالغش أو غيره، تتحقق
بذاتها وإنتاجها ويزاد على ذلك، أنه ينبغي على الدولة أن تسترشد حين الإقدام على مثل هذا
الفعل بما توصل إليه علم الاقتصاد الحديث من وسائل وتدابير وقائية للحيلولة دون احتياج الدولة
إلى تغيير عملتها، والعمل على ثبات قيمة نقدها بالنسبة لغيرها من العملات الأخرى، وبالنسبة
إلى أسعار السلع تجنبًا للتضخم والكساد، كما ينبغي على الدولة الأخذ بالأساليب الاق تصادية
الحديثة في علاج هذه القضية إذا اضطرت إليها وعلاج آثارها المبنية عليها، وكل ذلك مع
مراعاة أصول وضوابط الاقتصاد الإسلامي في أبواب الفقه المختلفة، وخاصة في أبواب البيع
والصرف والربا، لاسيما وأن الدولة هي المسؤولة أولا عن علاج هذه المشكلة، وعليها أن تتخذ
من الوسائل الممكنة مما يحد من خطر هذه المشكلة، لأن الدولة هي المسؤولة عن إصدار
النقود، وهي التي تضع السياسة النقدية، وهي المسؤولة عن أعمال البنوك الربوية التي أصبح
من وظائفها خلق النقود، كما أنها المسؤولة عن سياسة الإنتاج والاستهلاك والأجور .. الخ، أي
أنها المسؤولة عن أهم الوسائل التي ترتبط بالتضخم سلبًا وإيجابًا، والمسؤولة عن معظم مسببات
التضخم، لأن طبع النقود وظيفة قيادية فيجب على الدولة أن تقوم بطبع كميات من النقود بشكل
يتناسب مع السلع، وإن تزييف النقود قد يكون من قبل الدولة وقد يكون من قبل الأفراد، ومعلوم
أن أكبر مزور للنقد هي الدولة لأنها ترفع رواتب الموظفين وتزيد في طباعة النقود مما يؤدي
إلى التضخم حيث إن كل نقود تزيد عن حجم السلع والخدمات تعد نقودًا مزيفة سواء طبعها
الأفراد أو الدولة.