فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 128

صارت عرضًا، وضرب لهم فلوسًا أخرى أفسد ما عندهم من الأموال بنقص أسعارها، فيظلمهم

فيها وظلمهم فيها بصرفها بأغلى سعرها" (1) ."

ثم بنى ابن تيمية المسألة على نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- وسدًا لذريعة الظلم والإفساد،

فقال:"وأيضا إذا اختلفت مقادير الفلوس، صارت ذريعة إلى أن الظلمة يأخذون صغارًا"

فيصرفونها وينقلونها إلى بلد آخر، ويخرجون صغارها فتفسد أموال الناس، وفي السنن عن

النبي -صلى الله عليه وسلم:"أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجارية بينهم إلا من بأس" (2) ،

فإذا كانت مستوية المقدار بسعر النحاس ولم يشتر ولي الأمر النحاس والفلوس الكاسدة ليضربها

فلوسًا ويتجر في ذلك، حصل بها المقصود من الثمنية" (3) ."

وقد قرر جمهور الفقهاء العقوبة التعزيرية لمن يغير سكة المسلمين بأن يضرب على غير

سكتهم، فيفتات على الحاكم بفعله أو يغش العملة، ومن خالف في ذلك من الفقهاء نظر إلى عدم

تحقق الضرر على المسلمين، فإن تحقق ضرر فلا خلاف بين الفقهاء في وجوب العقوبة (4) .

وُذكر لابن المسيب رجل يقطع الدراهم فقال سعيد:"هذا من الفساد في الأرض" (5) .

وواضح من كلام الفقهاء أن نظرهم في قضية تغير العملة أو غشها من حيث هو فعل يترتب

عليه حكم شرعي، وأن هذا الفعل يدخل في دائرة الحظر من حيث أصله، سواء بالنسبة للأفراد

وهو حينئذ أشد خطرًا لأنه يدخل في دائرة الضرر العام، وقد يكون من الإفساد في الأرض

فتلزم عقوبة المتسبب به سدًا للذريعة، وكذا إن كان تغير العملة بالغش فيها من الدولة فالأصل

فيه الحظر، وخلافه استثناء، فيتقيد بتحقيق مصلحة عامة أو بقصد احتمال مفسدة أقل في سبيل

دفع مفسدة أكبر، فلا تكفي حينئذ الحاجة المحتمل إهدارها، فإن كانت حاجة ملحة يترتب على

تركها فوات مصالح عامة راجحة، جاز مع مراعاة ثبات الحقوق والالتزامات بالقدر الذي لا

(1) ابن تيمية، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم: مجموع فتاوي ابن تيمية، دار إحياء الكتب العربية، بيروت - لبنان،

ج 29، ص 469.

(2) تقدم تخريجه في ص 52 من الرسالة.

(3) ابن تيميه: مجموع فتاوي ابن تيمية، ج 29، ص 469.

(4) البلاذري: فتوح البلدان، ص 3026 - 3027.

(5) المرجع السابق، ص 456.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت