ثانيا: الدَّيْن في الاصطلاح الفقهي:
يطلق الفقهاء كلمة الدَّيْن في اصطلاحهم باعتبارين: اعتبار التعلق واعتبار المضمون.
الاصطلاح الأول: إما باعتبار التعلق: فيرد استعمالهم للدين في مقابل العين.
والعين: الشيء المعين المشخص، كبيت وسيارة وغيرها.
أما الدَّيْن فهو: ما يثبت في الذمة من غير أن يكون معينا مشخصا، سواء أكان نقدا أم غيره (1) .
وأساس التمييز بين العين والدَّيْن في هذا التقسيم الفقهي، هو الاختلاف والتباين في التعلق، حيث
إن الدَّيْن يتعلق بذمة المدين، ويكون وفاؤه بدفع أية عين مالية مثلية من جنس الدَّيْن الملتزم به،
ولهذا صحت فيه الحوالة والمقاصة بخلاف العين، فإن الحق يتعلق بذاتها ولا يتحقق الوفاء في
الالتزام بها إلا بأدائها بعينها، ومن أجل ذلك لم تصح الحوالة أو المقاصة في الأعيان لأنها
تستوفى بذواتها لا بأمثالها (2) .
الاصطلاح الثاني: إما باعتبار المضمون والمحتوى: أي بالنظر إلى أسباب وجوب الدَّيْن
ومصادر ثبوته، فقد استعمله الفقهاء بمعنيين أحدهما أعم من الآخر، فالدَّيْن بالمعنى العام: يشمل
كل ما ثبت في الذمة من أموال، أيا كان سبب وجوبها، أو حقوق محضة، كسائر الطاعات من
صلاة وصيام ونذر وحج وغيرها، وبناء على هذا الاعتبار، فلا يشترط في الدَّيْن أن يكون مالا،
ولو كان مالا فلا يشترط فيه أن يكون ثابتا في معاوضة أو إتلاف أو قرض فحسب، وعلى ذلك
عرّف بأنه: (وصف شرعي في الذمة يظهر أثره عند المطالبة) (3) ، وقد جرى عامة الفقهاء على
استعمال كلمة (دين) بهذا المعنى، كما ورد استعمالها به في كثير من الأحاديث النبوية (4) .
وأما الدَّيْن بالمعنى الخاص: (أي في الأموال) فقد اختلف الفقهاء في حقيقته على قولين:
(1) ابن عابدين: حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، ج 4، ص 25.
(2) المرجع السابق، ج 4، ص 290.
(3) نقله حماد، د. نزيه في كتابه: دراسات في أصول المداينات في الفقه الإسلامي، ص 13.
(4) حماد، د. نزيه: قضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد، دار القلم، دمشق- سورية، الدار الشامية، بيروت- لبنان،
ط 1، 1421 ه، 2001 م، ص 190.