وذو السعادة السعيد في الأزل… وعكسه الشقي حيثما نزل
وكلهم ميسر لما خلق …له فداج أمره ومؤتلق
وروى الترمذي أيضا، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ) ). إلى غير ذلك من الأحاديث.
(وذو) أي: صاحب (السعادة) عندنا في الدنيا وهو (السعيد في الأزل) بسكون اللام للقافية والوزن أي: في حضرة علم الله تعالى القديم (وعكسه) أي: الشقي في الأزل وهو (الشقي) عندنا في الدنيا (حيثما) أي: في أي حالة أو مكان (نزل) بسكون اللام أيضا، فالمعتبر في السعيد والشقي ما في الأزل ويظهر في خاتمة العمل، ولا عبرة بما يظهر على المكلف في الدنيا من ذلك فيلزم من هذا أن السعيد لا يشقى والشقي لا يسعد وهو قول الأشعري.
وقال أبو منصور الماتريدي: السعيد هو المتصف بالسعادة في الشرع بحسب ما يظهر عليه في الدنيا والشقي كذلك هو المتصف بالشقاوة شرعا بمقتضى ظاهر الحال، فيلزم من ذلك أن السعيد قد يشقى إذا كان شقيا في الأزل والشقي قد يسعد إذا كان سعيدا في الأزل والخلاف بينهما لفظي كما قال العلماء فكل منهما ناظر إلى طرف، فمن نظر إلى خاتمة العمل وإلى ما في حضرة الأزل من علم الله تعالى بتفاصيل أحوال العباد قال بالأول، ومن نظر إلى تسمية الشرع المؤمن مؤمنا وإجراء أحكام الإيمان عليه وإن كان في تقدير الله موته على الكفر وكذلك المطيع والكافر والفاسق قال بأن السعيد قد يشقى والشقي قد يسعد، ولا خلاف بينهما في تسميته سعيدا أو شقيا بحسب أحكام الشرع في الدنيا، كما أنه لا خلاف أيضا في أن من له السعادة في الأزل أو الشقاء فلا تتبدل ولا تتغير.
(وكلهم) أي: السعداء والأشقياء من المكلفين ومن تبعهم (ميسر) أي: مهيأ (لما خلق) بالبناء للمفعول بسكون القاف للوزن (له) أي: لأجله من الخير والشر (فداج) أي: مظلم، يقال: دجا الليل إذا أظلم (أمره) أي: شأنه وحاله، وهو: الشقي (مؤتلق) بسكون القاف، من قولهم: تألق البرق، أي: لمع والائتلاق مثل التألق كذا في الصحاح. والمراد منير مشرق أمره وحاله وهو السعيد. @