بالتفات ابن عاشور إلى الغرض الذي سيق لأجله الكلام و تتبعه لعادة القرآن في عدم التفصيل في ما ليس بحاجة، أرجع سبب الإجمال القرآني في بعض المواضع إلى عدم تعلق الغرض بتفصيله، كقوله تعالى: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [البقرة:124] أجملت الكلمات هنا لأنه"ليس الغرض تفصيل شريعة إبراهيم و لا بسط القصة و الحكاية وإنما الغرض بيان فضل إبراهيم ببيان ظهور عزمه و امتثاله لتكاليف فأتَى بها كاملة فجوزي بعظيم الجزاء، هذه عادة القرآن في إجمال ما ليس بمحل الحاجة" [1] . يظهر من هذين المثالين التزام القرآن الكريم بتحقيق الغرض المسوق له ومحاولة ابن عاشور الالتزام بتحقيق هذا الغرض من خلال التفسير، دون الاستطراد والإجابة عن تساؤلات لم يبينها النص؛ لأنها ليست من أغراضه، لكن رغم ذلك فإن ابن عاشور لم يقف عند هذا الحد فحاول أن يبين المراد بالكلمات في المثال السابق، مخمنًا، مجتهدًا، إذ يقول:"ولعل جمع الكلمات جمع السلامة يؤذن بأن المراد بها أصول الحنيفية، وهي قليلة العدد كثيرة الكلفة، فلعل منها الأمر بذبح ولده وأمره بالاختنان، وبالمهاجرة بهاجر إلى شقة بعيدة" [2] .
عدم البت بالمراد من الكلمات بالتعبير عن المراد منها بما يدل على التخمين و الظن كقوله:"لعل"؛ يجعلني أعتبر ابن عاشور متقيدًا بتحقيق الغرض القرآني وإن حاول الاجتهاد في بيان المجمل؛ فهو في بيانه للمراد من (الكلمات) لا يخالف ما قرره بداية من عدم تعلق الغرض في تفصيلها؛ لأنه بذلك يشير إلى احتمالية المعنى لا راجحيته، وبالتالي يبقى لفظ الكلمات على إجماله.
أكثر ما تبرز إشارات ابن عاشور في الإعراض عما ليس من مقصود القرآن، عند تفسيره لآيات القصص كما في تفسيره لآيات [الأعراف:120 - 126] إذ أشار إلى أن القرآن لم يتعرض في سورة الأعراف، ولا في سورتي الشعراء وطه، للإخبار عن وقوع ما توعدهم به فرعون"لأن غرض القصص القرآنية هو الاعتبار بمحل العبرة وهو تأييد الله موسى وهداية السحرة و تصلبهم في إيمانهم بعد تعرضهم للوعيد بنفوس مطمئنة، وليس من غرض القرآن معرفة الحوادث كما قال في سورة النازعات {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات:26] " [3] . دافع ابن عاشور في التنبيه إلى غرض القصص هو ما ذكره من اختلاف المفسرين في البحث عن تحقيق وعيد فرعون، إذ اعتبره زيادة في تفسير الآية [4] .
حرص ابن عاشور على إبراز عادة من عادات القرآن في الإعراض عن التفصيل فيما لا صلة له بالمقصد المسوق له الكلام، هذا التوجه القرآني لتحقيق مقاصد ثابتة انعكس عند ابن عاشور على دور المفسر، الذي ينبغي أن يسعى لإبراز هذه المقاصد، و حصر عملية الفهم من خلالها، لذا كان لزامًا على المفسر الالتفات إلى المقاصد القرآنية [5] من أجل التقيد بها، منعًا من الزيادة عليها و عدم تحميلها مالا تحتمل، وجلبًا لكل تفصيل وتفريع خادم لها.
يجد الناظر في التحرير والتنوير صورًا عديدة لدور المقصد في عدم تحميل الآية أو الآيات ما لا تحتمل مقاصديًا، حرص فيها مؤلفه على نفي أي تفسير يحيل على غرض ليس من أهداف القرآن أو استدلال ينافي مقصد الآية.
(1) ـ التحرير: ج 1/ 703.
(2) ـ التحرير: ج 1/ 703.
(3) ـ التحرير: ج 8 ق 2/ 56 - 57.
(4) ـ التحرير: ج 9/ 57.
(5) ـ انظر: التحرير: ج 1/ 38. و ما بعدها.