لعل أبرز إشكالية قد ترد على هذه الاتجاه هي هل الاتجاه المقاصدي في التفسير يلغي ما جاء به القرآن الكريم؟ وهل مؤدى هذا الاتجاه ربط ما جاء به القرآن الكريم بعصر التنزيل ومن ثم القول بعدم دوامه واستمراريته؟
لا يقتضي الكشف عن المقاصد القرآنية إلغاء أو ربط ما جاء به القرآن الكريم بعصر التنزيل، لأن إدراك هذه المقاصد هو في الحقيقة إعمال لما جاء لأجله القرآن الكريم ووعي بالغاية وتحقيق لها عند تنزيل الأحكام على صعيد الواقع، فضلًا عن أن المستند الرئيسي في الكشف عن المقاصد هو ما جاء به القرآن الكريم بداية، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن مجال إعمال المقاصد ليس من أجل إلغاء ما جاء به القرآن الكريم من الأحكام، لأن هذه الأخيرة لا يمكن إنكار مصالحها لتوافقها مع الفطرة الإنسانية على نحو ما فصلته في هذه الدراسة، وبالتالي دوامها وعمومها، أما الهدف من استجلاء المقاصد فحسب ما بينته سابقًا في مرتكز الغاية، هذا ما قد يرد سلبًا على القرآن الكريم، أما المنعكس الإيجابي لهذا الاتجاه على القرآن الكريم فإنه سيمنع القراءات التعسفية له ويبرز فاعليته ودوامه واستمراريته.
إن أثر الاتجاه المقاصدي على التفسير سيفتح أفاقًا رحبة ليس في تحصيل المقاصد وتفسير أجزاء الخطاب فحسب، وإنما في طرح التفسير القرآني بشكل عصري، يعكس قيمه الحضارية ومقاصده العليا وأهدافه الإنسانية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تقديم تفسير علمي يبتعد فيه عن التخمين والتكلف وتحميل الآيات مالا تحتمل و الانتقاص من معانيها وقيمها، وفضلًا عن هذا وذاك توليد المقاصد؛ لأن الاتجاه المقاصدي لا يلغي تعددية المعنى إذا كانت راجحة الدلالة، كما أنه بانطلاقة المفسر من الواقع كمحرك ودافع تبقى المقاصد غير ممكنة الحصر، فضلًا عما تولده أدوات الكشف عن المقاصد من دوام إمكانية تحصيل مقاصد جديدة، دون أن يعني ذلك إلغاء الاتجاهات الأخرى في التفسير إلا ما خلا عن الطابع العلمي منها.
عندما يكون المفسر مما توفرت لدية الشروط المؤهلة لعده مفسرًا، متقيدًا بالمنطلق ـ المرتكز الأول لهذا الاتجاه ـ فإنه سيبذل قصارى جهده لتحصيل المقاصد القرآنية وسيسعى إلى توظيف مختلف العلوم المساعدة في الكشف عنها، مما سيمنعه من التكلف والتخمين في التفسير وتحميل الآيات ما لا تحتمل، ويدفعه إلى أن يكون دائم الارتباط بواقعه بحكم أن المقاصد القرآنية لا تنفصل عن الإنسان وحضارته.
إن الاتجاه المقاصدي سيكشف عن فاعلية القرآن الكريم على صعيد الواقع، ومرجعيته الأولى، إذ إن تجلية الحكم من كل ما جاء به القرآن الكريم سيكشف عن المصالح التي جاء القرآن الكريم لتحقيقها من سعادة الإنسان ومصلحته وتقرير ما فيه فائدته ونفعه، وتجلية المنهج القرآني في معالجة القضايا الإنسانية، وإثبات فاعليتها باعتبار تعلقها بالفطرة، وبالتالي حل لبعض ما قد يرد من إشكاليات لدى بعض المسلمين وغير المسلمين من سوء فهم للقرآن الكريم وخاصة في هذا العصر هذا من جهة، ومن جهة أخرى توظيف هذه المقاصد باعتبارها مصالح تحقق نهضة المسلمين وبناء حضارتهم.
والحمد لله رب العالمين
الدكتور: علي محمد أسعد