كذلك مسالك العلة في الكشف عن الحكم القرآنية الراجحة سواء المنصوص عليها ـ بدلالة صريحة أو غير صريحة ـ أم غير المنصوص عليها، ولا يعني عدم النص عليها أنها مرجوحة الدلالة.
إن استنباط العلل غير المنصوص عليها، إنما يكون على ضوء الأصول والمقاصد العليا، أو بإلحاقها بها، بغض النظر عن مضمون التعليل، مما يجعل الحكم المستنبطة راجحة في دلالتها، بل قوية الدلالة.
من أهم القرائن التي ينبغي الالتفات إليها في هذا الاتجاه المقاصدي قرينة السياق المقالي والحالي؛ إن الدلالة الأصلية محكومة بالسياق المقالي بشقيه الصغير والكبير، فما سيق لأجله الكلام هو المحور المركزي الذي يُستند إليه للكشف عن المقصد، سواء أكان هذا الاستناد مباشرًا أم غير مباشر [1] .
إن الدعوة إلى التوجه المقاصدي قد برزت في الآونة الأخيرة شاملة مختلف الاتجاهات، إذ تحكمها منطلقاتها مما أدى إلى الاختلاف في مفهوم هذه التوجه وتطبيقاته، فما هو مدى هذه الدعوات؟ وما هي حدودها التطبيقية؟ وهل حققت المقاصد المرجو منها في الاجتهاد؟
اعتنى المفسرون المعاصرون بتجلية الهداية القرآنية والعلل والحكم التشريعية والعبرة على تفاوت فيما بينهم بهدف ربط المسلم بكتاب الله عز وجل ربطًا علميًا وثيقًا [2] .
صاحب هذا التفات المصنفين في علوم القرآن إلى الهدف والمقصد القرآني فصار يُشترط في المفسر أن يكون مدركًا لموضوع القرآن وهدفه، لأن ذلك يعين على الفهم السليم، ويعصم من الانحراف والزلل [3] ، وأصبح ينظر إلى بيان القيمة العامة أو الأساسية للتفاسير على أساس الدور الذي قامت به في رسم الصورة الصحيحة أو الكاملة للغرض الأساسي الذي نزل القرآن من أجله وتبرير عدم احتواء تفاسير السابقين من الصحابة ومن جاء بعدهم على الغرض الأساسي، تبرير ذلك بأنهم كانوا يتحسسون هذا الغرض، وأنه كان متحققًا من حولهم في المجتمع الإسلامي [4] .
(1) - كذلك المسالك البلاغية لا بد منها للكشف عن المقاصد القرآنية، لأنه لا تخلو دقيقة من دقائقها عن القرآن الكريم فضلًا عن سريانها في جميع آياته؛ إذ بواستطتها يتجلى البعد التأثيري الإقناعي التواصلي للقرآن الكريم، غير المنفصل عن جميع المقاصد القرآنية، وبها يتم التمييز بين مستويات الدلالة، فضلًا عن دورها في الكشف عن مقاصد القرآنية وتحقيقها.
(2) ـ انظر أمثلة على ذلك: الحكمة من تحريم الربا: ـ الدكتوروهبة الزحيلي، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، دار الفكر، دمشق، ط 1، 1411 هـ 1991 م، ج 3/ 98.
وانظر الحكمة من توحيد القبلة: أحمد مصطفى المراغي، دار إحياء التراث العربي، بيروت،1361، ج 2/ 5.
وانظر الحكمة من إيجاب المتعة للمطلقة: محمد علي الصابوني، صفوة التفاسير، دار البيان العربي، القاهرة، ط 9، ج 1/ 153.
وانظر في أصول الهداية القرآنية: عبد الحميد بن باديس، تفسير بن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، جمع: توفيق محمد شاهين، محمد الصالح رمضان، دار الفكر، ط 3، 1399 هـ 1979 م.
انظر في مقاصد ما يضرب القرآن من أمثال: عبد الرحم بن ناصر السعدي المجموعة الكاملة لمؤلفاته"القواعد الحسان لتفسير القرآن، مركز صالح بن صالح الثقافي بعنيزة، السعودية،1408 هـ 1988 م، ج 8/ 67 وما بعدها."
وانظر الحكمة من مشروعية القتال: محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، دار الكتب الإسلامية، طهران، ج 2/ 60.وانظر العنونة لكل مقطع بـ: من هداية الآيات: أبي بكر الجزائري، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ط 4، 1420 هـ 2000 م.
(3) ـ محمد بن لطفي الصباغ، بحوث في أصول التفسير، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1408 هـ 1988 م، صـ 235.
(4) ـ عدنان زرزور، علوم القرآن، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2، 1404 هـ 1984 م، صـ 418 - 421.