الصفحة 1 من 31

أهمية المقصد في التفسيرعند المفسرين في العصر الحديث

أضحى علم التفسير في العصر الحديث كلأًً مباحًا يرتاده كل من يريد، دون اعتبار لتخصص علمي أو إيمانٍِ بوحي إلهي، بغية تحديث، أو تجديد، أو إصلاح لأحوال المسلمين، إما لبعث نهضتهم، أو لتجاوز تخلفهم، أو لإلغاء مرجعيتهم القرآنية بقالب من المناهج والاتجاهات المتنوعة،، بل والمتضادة أحيانًا، لاختلاف المنطلقات والأدوات والغايات، الدافع إلى ذلك هو الاتفاق على محورية القرآن الكريم في حياة المسلمين ودوره كمرجعية أولى؛ إذ نتجت عن هذه القراءات أزمة تفسيرية معرفية، سواء بمضمونها أم بآثارها.

فالقرآن الكريم ـ من خلال بعض المناهج ـ أصبح كالمادة الهلامية يشكلها قارئه كما يريد، لتلغي معطياته الثابتة، ومبادئه الراسخة، فحّملت آياته ما لا تحتمل، بل تجاوز ذلك إلى ادعاء ضبابية المعنى القرآني وتعدده دون قيد أو شرط، مما أدى إلى ابتعاد علم التفسير عن المنهجية العلمية الموضوعية بسبب التطبيقات السلبية، فهو إما أن يكون سجاليًا يؤزم الواقع، وإما من أجل الانتصار في المعركة الثقافية القائمة، وإما لإثبات الذات وتجريم الآخر، أو لإثبات فاعلية القرآن الكريم في نهضة المسلمين أو من أجل قصره على الناحية الأدبية ... .الخ

كل ذلك بلور إحدى أهم أهداف علم التفسير في العصر الراهن، مما يمكن صياغتها بالتساؤل التالي:

تتعدد الإجابات عن هذه الإشكالية، إلا أن هذا لا يمنع الانطلاق من افتراض توجه مقاصدي كفيل بتجاوز الأزمة التفسيرية الراهنة وتحقيق تفسيرٍ متوازن وباعتبار أنه لم يسبق لأحد أن أصّل لهذا الاتجاه التفسيري لابد من الانطلاق من الملامح والتطبيقات المنتشرة في كتب التفسير، حتى لا يكون بحثنا كمن يسير في صحراء مقفرة غير محددة المسالك والممرات، مما قد يؤدي إلى التيه والضياع، لذا كان لا بد من الانطلاق من بعض الملامح مما قد يبدو مسلكًا، ولو كان ضيقًا مليئًا بالعقبات والصعاب. لذلك سأقتصر في هذه الدراسة على بعض النماذج التطبيقية من خلال بعض التفاسير المعاصرة، فهذه الدراسة تنطلق من افتراض دور محوري للمقصد في التفسير لأنه هو الأساس الذي ينبغي أن يشاد عليه أي تفسير يتسم بالموضوعية والعلمية، فالالتزام بالغرض القرآني ضروري، لنفي المعاني غير المحققة أو المؤكدة له، فضلًا عن المعاني المعارضة للأغراض القرآنية، وفي هذا الالتزام التزام بعادة من عادات القرآن الكريم في الإعراض عن مالا تعلق له بالمقصود، هذا من جهة دور المقصد في عدم قبول المعاني غير المتفقة والمنسجمة معه، أم من جهة دور المقصد في التفسير فيتجلى هذا الدور من خلال تعيين المراد من أجزاء الخطاب القرآني وتعليله بلاغة وأسلوبًا، والكشف عن صلة هذه الأجزاء ببعضها، ومعرفة مدى دلالة الآيات على الأحكام المستنبطة وأهمية المقصد للتأويل وبالعكس.

المبحث الأول- المقاصد القرآنية وواقعها في الدراسات المعاصرة [1] :

(1) - يلاحظ أن معنى القصد في اللغة يشمل التوجه نحو هدف ما وكل ما من شأنه أن يراد ويقصد ويحقق المراد، يظهر ذلك في المعاني التالية: القصد: استقامة الطريق، طريق قاصد: سهل مستقيم، القصد: الاعتماد والأمّ، القصد إتيان الشيء، قصدت قصدًا نحوت نحوه، القصد في الشيء: خلاف الإفراط، القصيد من الشعر: ما تم شطر أبياته، سمي بذلك لكماله وصحة وزنه، أقصد السهم، أصاب فقتل مكانه، وأقصدته حيه: قتلته، والقصيد: العصا: سمي بذلك لأنه بها يقصد الإنسان و هي تهديه وتؤمه. جمال الدين محمد بن مكرم بن المنظور الإفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط 3، 1414 هـ 1994 م، ج 3/ 353 - 357.ما ذهبا إليه يتفق مع بيان ابن جني (392 هـ) لأصل القصد بأنه الاعتزام والنهوض نحو الشيء عل اعتدالٍ كان ذلك أو جور، مع أنه قد يخصص في بعض المواضع بقصد الاستقامة دون الميل. انظر: علي بن إسماعيل بن سيدة، المحكم المحيط الأعظم في اللغة، تحقيق: مراد كامل، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط 1، 1392 هـ، ج 6/ 116 - 117. أما في القرآن الكريم فورد القصد بمعنى الوسط بين أمرين كقوله تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لقمان:19] وقوله: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} [فاطر:32] ، وقوله {وَسَفَرًا قَاصِدًا} [التوبة:42] أي سفرًا متوسطًا غير متناهي البعد. انظر: الحسين ابن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، دار قهرمان، استانبول/ تركيا، صـ 610. من معاني القصد الفلسفية:"توجه النفس إلى الشيء أو انبعاثها نحو ما تراه موافقًا، وهو مرادف للنية، وأكثر استعماله في التعبير عن التوجه الإرادي أو العملي، وإن كان بعض الفلاسفة يطلقونه على التوجه الذهني". جميل صليبا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، 1982 م، ج 2/ 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت