تعالت الدعوات في العصر الحديث إلى ضرورة الالتفات إلى المقاصد القرآنية ـ بغض النظر عن دوافعها ـ اقتصر قسم كبير منها على الدعوة إليها وبيان أهميتها، دون محاولة التأصيل لها أو تقديم دراسات تطبيقية تظهر فاعلية التوجه المقاصدي أو عدمها، فكانت أقرب إلى التبرير منها إلى الدراسة العلمية، تبرير دوافع ومنطلقات وغايات المنادي بها، تبريرًا ظرفيًا يعكس ظروف ولادة ونشأة مقاصد الشريعة [1] .
هذه الدعوات لم يختص بها المختصون بالعلوم الإسلامية، كدعاة التفسير التاريخي [2] ، بل تجاوز ذلك إلى تقديم اقتراح في قراءة جديدة للمقاصد الكلية التشريعية، تنطلق من الكلي إلى الجزئي؛ فيرى نصر حامد أبو زيد أن ما اقترحه من مبادئ ثلاثة كلية تتمثل في العقلانية والحرية والعدل، هي كليات تستوعب الجزئيات إلى جانب أنها تستوعب المعطيات الخمس [3] .
مع عدم إنكاري أن هذه المبادئ التي اقترحها أبو زيد تستوعب الجزيئات، لكن ليس كل الجزيئات، كما لا يمكن القول بأنها تستوعب الكليات الخمس بهذا الإطلاق، لأن الحكم على هذا الاستيعاب لا يكون منطلقه أفكارًا مسبقة، بل لابد من تفحصها ضمن الكليات الخمس، هذا من جهة، ومن جهة أخر لا تقتصر المقاصد العليا على الكليات الخمس، فابن عاشور يقول بهذه المبادئ الثلاثة التي اقترحها أبو زيد، لكن دون أن يحصر المقاصد فيها، فقد عنون لهذه المبادئ في كتابيه أصول النظام الاجتماعي ومقاصد الشريعة وأشار إليها في تفسيره [4] ،هذا مع المناداة بضرورة التمييز بين الخاصية والمقصد.
(1) ـ انظر: عبد المجيد الصغير، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، دار المنتخب العربي، بيروت، ط 1، 1415 هـ 1994 م، صـ 445 - 530.
ـ سالم يفوت، حفريات المعرفة العربية الإسلامية، دار الطليعة، بيروت، ط 1، 1990 م، صـ 192 - 193.
(2) ـ يمكن اعتبار فضل الرحمن من المنادين بالقراءة المقاصدية، ففي كتابه الإسلام وضرورة التحديث، ومقاله: الإرث وتحديات العصر، اعتبر أن مشكلة الفكر الإسلامي المعاصر تتمثل بأنه لم يتناول القرآن بجملته وكليته، ومن ثم لم يؤسس نظرته المتكاملة للعالم والأخلاق، ولم تستنتج من جراء غياب هذه النظرة ما ينبغي استنباطه من القوانين والأفكار الكبرى التي يمكن أن تعالج الواقع الجديد، فلتجاوز هذه المشكلة وتفسير القرآن حسب تلك النظرة، لابد من أن نأخذ بعين الاعتبار الوضع الاجتماعي والثقافي التي تنزل فيها القرآن، فمن خلال هذين المستويين التاريخي والمستوى المقاصدي الكلي يمكن أن نستنتج المقاصد.
انظر
فضل الرحمن: الإسلام وضرورة التحديث، ترجمة: إبراهيم العريس، دار الساقي، بيروت، ط 1، 1993،صـ 208 - 215.
(3) ـ نصر حامد أبو زيد، الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدار البيضاء، ط 1،2000 م، صـ 203.
(4) ـ انظر: أصول النظام الاجتماعي، الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، الشركة التونسية للتوزيع، تونس، صـ 28 - 40، صـ 45، صـ 159، صـ 177، صـ 185، صـ 190. مقاصد الشريعة الإسلامية، الشيخ: محمد الطاهر ابن عاشور، ط 1،مكتبة الاستقامة، تونس،1366 هـ، صـ 139 - صـ 146.
التحرير: ج 1/ 40 - 41. يقول ابن عاشور في تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90] الآية"جامعة لأصول التشريع. والعدل: إعطاء الحق إلى صاحبه وهو الأصل الجامع للحقوق الراجعة إلى الضروري والحاجي من الحقوق الذاتية وحقوق المعاملات"التحريروالتنوير، الشيخ: محمد الطاهر ابن عاشور، الدار التونسية/الدار الجماهيرية الليبية: ج 14/ 254 - 255.