""و كار الرجل في مشيه كورًا و استكار: أسرع""كور الحداد: الذي فيه الجمر و توقد فيه النار و هو مبني من الطين"بالإضافة إلى تكوير العمامة [1] ."
على ضوء ذلك يبدو لي أن الأصل في معنى التكوير هو الجمع، ومن ثم أطلق على لف ولي العمامة على الرأس فاستعمل فيما هو دائري، لذا أرى أن ابن عاشور في هذا المثال وسع من مدلول التكوير ليوافق ما أثبته العلم من كروية الأرض، دون أن يخرج عن مقصد الآية بل عززه وأثبته من وجهة نظره [2] .
أما الدور المحوري للمقصد في التوفيق بين القرآن والعلوم الحديثة فيبرز في أنه جامع بين فهم معاصري نزول القرآن، و فهم المسلمين في العصر الحديث، إذ إنه نفسه متحقق في فهم الأقدمين وفي فهم المحدثين، مثاله قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة:22] ورد هذا التركيب في سياق بيان نعمه تعالى مع ما فيها من دلائل على عظيم قدرته، فبين ابن عاشور أن هذا التركيب أفاد الامتنان بجعل السماء كالبناء بوجود الكرة الهوائية لوقاية الناس من الأضرار فوقها النازلة إلى الأرض، كما أفاد العبرة بهذا الخلق البديع؛ من هنا يتساءل ابن عاشور عن أنه إذا كان كشف هذه المعجزات العلمية يتم في هذا العصر فما هو حظ المسلمين الأوائل من هذه التفسيرات باعتبار أنها كشفت بعدهم؟
يجيب ابن عاشور عن ذلك بأن الجملة في فهمهم تتمحض لإفادة العبرة بذلك الخلق البديع، و لتخيلهم أن السماء تشبه سقف القبة، و ما في لفظ"البناء"من إشعار للسامعين بفوائد على الإجمال تكفي ليحصل الامتنان بخلق السماء، هذا هو المشترك بين فهم الأقدمين وفهم المحدثين [3] .
يختلف هذا المبحث عن سابقه في أنه يكشف عن دور المقصد في تعين المراد وبيان وجه المناسبة بين أجزاء الخطاب، وأهمية تحكيم المقصد في الاستنباط والتأويل، وكشف المعاني البلاغية، لذا كان القسم الأكبر من هذا المبحث مخصصًا لتجلية المقاصد والمعاني على ضوء المقصد، على عكس المبحث السابق المتعلق بنفي ورد كل معنى لا يتفق والأغراض القرآنية.
الأمثلة على ذلك في التحرير والتنوير عديدة ومتنوعة أقتصر على بعض النماذج المختلفة و التي منها:
قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام:121] ما صدق الاسم الموصول"ما"في قوله {مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ} ذَكِيٍّ بقرنية المقصد و السياق، فسابق الآية أفادت إباحة كل ما ذكر اسم الله عليه، وأفهمت النهي عما لم يذكر اسم الله عليه وقدمت بين أكل الميتة و بين ما ذُكي وذكر اسم الله عليه، أما في هذه الآية فأفيد النهي والتحذير من أكل ما ذُكر اسم غير الله عليه قصدًا وتجنبًا لذكره عليه، بقصد أن لا يكون الذبح لله. فربما كان المشركون في تحيلهم على المسلمين يقتنعون بأن يسألوهم ترك التسمية في الذكاة، بحيث لا يسمون الله ولا يسمون للأصنام فيكون
(1) ـ لسان العرب، م. س، ج 5/ 154 - 157. وانظر: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، مكتبة لبنان، بيروت،1415 هـ 1995 م، صـ 242.
(2) ـ و انظر أيضًا التحرير: ج 20/ 49.
(3) ـ التحرير: ج 1/ 332.