بينت سابقًا حرص ابن عاشور على عدم تحميل الآية مالا تحتمل على ضوء المقصد، لكنه دعا في مقدمة تفسيره إلى التفصيل و التفريع في التفسير خدمة للمقصد، من ذلك التوفيق بين المعنى القرآني و بين العلوم التجريبية، والذي يهمنا في بحثنا هو دور المقصد في هذا التوفيق، و خاصة أن ابن عاشور صرح بعدم لوم المفسر إذا أتى بشيء من تفاريع العلوم مما له خدمة للمقاصد القرآنية، أو أن المسائل العلمية مناسبة لمقصد الآية إما بالإيماء أو التلويح [1] .
من الأمثلة التي وقفت عليها في التحرير والتنوير والدالة على التفصيل و التفريع خدمة للمقصد قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:22] ذُكر في هذه الجملة نعمة من نعمه تعالى المستمرة مع ما فيها من دلائل عظيم قدرته، المتضمنة الامتنان بما هو ضروري لبدن الإنسان من الغذاء الذي كان في الأصل نباتًا أخرجته الأرض بعد نزول الماء عليها من السماء، من هنا يجد ابن عاشور الفرصة مناسبة للتفصيل العلمي، ليفسر ظاهرة نزول المطر كما كشف عنها العلم الحديث [2] ، و هو في هذا يزيد مقصد الآية وضوحًا و تحقيقًا، فالآية ذكرت ظاهرة نزول المطر، فلم ير ابن عاشور مانعًا بأن يفصل في تفسير هذه الظاهرة، ببيان أسبابها من الناحية العلمية، طالما أن في ذلك تأكيد و تحقيق للمقصد [3] .
كما يسهب في بيان أطوار خلق الجنين عند تفسيره لقوله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} [الزمر:6] فقسم هذه الأطوار إلى عشرة، و أخذ يعدها، و يبين الصفات المميزة لكل طور، لأن الآية"استدلال بتطور خلق الإنسان على عظيم قدرة الله و حكمته و دقائق صنعه" [4] .
إن التفريع في مراحل تخلق الجنين المذكورة في الآية، هو تفريع يزيد المقصد بيانًا و تحقيقًا، لأنه يساهم في الكشف عن مظاهر الحكمة و القدرة في خلق الإنسان.
لا يقتصر ابن عاشور على التفصيل و التفريغ خدمة للمقصد، بل قد يوسع في مدلول المفردة خدمة للمقصد أيضًا، مثاله قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر:5] ذكر ابن عاشور أن الآية جاءت في معرض الاستدلال بخلق السماوات والأرض على تفرده تعالى في هذا الخلق، فاختير للاستدلال على ما يتبع إنشاء السماوات والأرض من خلق العرضين العظيمين (الليل والنهار) مادة التكوير، إذ يرى ابن عاشور أنها مستمدة من الكرة لأن التكوير اللف الليَّ فيقال كور العمامة على رأسه إذا لواها و لفّها، فمثلت هيئة غشيان الليل على النهار بهيئة كور العمامة إذ تغشى الليَّةُ الليَّةَ التي قبلها، و هو تمثيل بديع قابل للتجزئة بأن شبه الأرض بالرأس و شبه تعاور الليل و النهار عليها بلف طيات العمامة. و في هذا إيماء من القرآن إلى كروية الأرض، إذ جعل من تعاورهما تكويرًا، و في هذا معجزة علمية كان يجهلها جمهور البشر في عصر نزول القرآن [5] .
لكن بالتأمل في المعنى اللغوي لمفردة الكور أرى أن الجامع بين معانيها هو معنى"الجمع"فمنها"الكَوْرُ: الإبل الكثيرة العظيمة""كور المتاع: ألقى بعضها على بعض"،"تكوير المتاع: جمعه و شده،"طعنه فكوره: أي ألقاه مجتمعًا
(1) ـ التحرير: ج 1/ 42 - 45.
(2) ـ يذكر أنه تكون في طبقات الجو أبخرة تصاعدت إليه بواسطة حرارة الشمس من مياه الأنهار و البحار، فإذا بلغ البخار طبقات الجو العليا، برد ببرودتها، و خاصة في فصل الشتاء. ثم يتميع فيصير سحابًا، فإذا زادت البرودة عليه فينقبض السحاب و يثقل، و تجتمع فيه الفقاقيع المائية، فينزل مطرًا و هو ما أشار إليه قوله تعالى: {وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} [الرعد:12] التحرير: ج 1/ 331 - 333.
(3) ـ وانظر أيضًا: التحرير: ج 2/ 77 - 89.
(4) ـ التحرير: ج 23/ 333 - 334.
(5) ـ التحرير: ج 23/ 328 - 329.