الصفحة 13 من 31

قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء:6] الابتلاء في الآية اختبار تصرف اليتم في المال باتفاق العلماء، وزاد الحسن وقتادة والشافعي [1] الاختبار في الدين، لكن ابن عاشور يرى أن ذلك ينبغي أن لا يكون شرطًا إذ مقصد الشريعة هنا حفظ المال، وليس حفظ الدين [2] .

اعتبر ابن عاشور جملة [ما فرطنا في الكتاب من شيء] معترضة في قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام:38] أريد بها بيان سعة علم الله تعالى وعظيم قدرته، وفسر الكتاب بمعنى المكتوب، كناية عن ما سبق في علم الله و إرادته ثم ذكر بصيغة التضعيف تفسير الكتاب بالقرآن، و وصفه بالبعيد لأنه لا وجه لمناسبة هذا التفسير للغرض [3] .

حرص ابن عاشور على نفي تعلق الآية ببعض المسائل على ضوء المقاصد القرآنية، وخاصة المقصد القرآني للآية المستدل به، من هذه الصور:

جاء في قوله تعالى داعيًا بني إسرائيل إلى الإسلام: {وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِي} [البقرة:41] فقوله تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} موجه إلى علماء بني إسرائيل إذ كانوا يتظاهرون بإنكار القرآن ليلتف حولهم عامة قومهم فتبقى رئاستهم عليهم، لكن هذا لا يمنع أن يكون حظ غير المخاطبين الاعتبار والاتعاظ، و من هنا تعلقت مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن والدين وما يتفرع عنها من أخذ الجرة على تعليم العلم وعلى بعض ما فيه عبادة، جعلها المفسرون متعلقة بهاته الآية، لكن ابن عاشور يرى أن تعلقها بها ضعيفًا، و ما جرى من النقاش حول هذه المسألة في كتب التفسير لا حاجة له لأن الآية بعيدة عن هذا الغرض [4] .

مثاله قوله تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} [البقرة:68] بين ابن عاشور أن القصد من التكليف في الآية هو التأديب لأنها سيقت مساق الذم لهم، واعتبرت القصة في عداد قصص مساوئهم وسوء تلقيهم للشريعة بالتقصير عملًا وشكرًا وفهمًا.

يحرص ابن عاشور بعد التعريف بالمقصد على عدم تحميل الآية ما لا تحتمل من الاستدلال بما لا تدل عليه فيقول:"و بهذا تعلمون أن ليس في الآية دليل على تأخير البيان عن وقت الخطاب ولا على وقوع النسخ قبل التمكن لأن ما طرأ"

(1) ـ انظر تفسير الطبري، م. س، ج 1/ 524 - 525. محمد بن إدريس الشافعي، أحكام القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: عبد الغني عبد الخالق، 14 هـ، ج 1/ 138. أحمد بن علي الرازي الجصاص، أحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، تحقيق: محمد صادق القمحاوي، بيروت، 1405 هـ، ج 2/ 216.

(2) ـ التحرير: ج 4/ 238.

(3) ـ التحرير: ج 7/ 217.انظر التفسير بهذين القولين في تفسير القرطبي، م. س، ج 6/ 420. تفسير الطبري، م. س، ج 7/ 187. فتح القدير، ج 2/ 114. روح المعاني، م. س، ج 7/ 144 - 145.

(4) ـ التحرير: ج 1/ 458 - 469. انظر ربط القرطبي مناقشة مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن بالآية: تفسير القرطبي، م. س، ج 1/ 334 - 335.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت