لا يمكن غض الطرف عما تقدمه كتب المقاصد من تقسيمات متنوعة لمقاصد الشريعة [1] وتعريفات لها، ولكنها لا تصلح لهذا البحث لأنه عام وشامل للموضوعات القرآنية هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن بيان مقاصد الشريعة يعد خطوة تالية للمقاصد القرآنية؛ لأن هذه الأخيرة متعلقة باستجلاء مقاصد الكلام الإلهي الذي يعد شرطًا للوقوف على مقاصد الشريعة. فمثلا عرف ابن عاشور المقاصد العامة للتشريع بأنها"المعاني و الحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها بحيث لا تختص ملاحظتها في نوع خاص من أحكام الشريعة. فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها ويدخل في هذا أيضًا معان من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام و لكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها" [2] .
هذا التعريف لا يصلح في هذا البحث لاختلاف المجال في كل واحد منهما عن الآخر، فمقاصد الشريعة تتعلق بموضوع من الموضوعات القرآنية؛ فهي خاصة في مجال الأحكام و التشريع، هذا الذي صرح به ابن عاشور في مقدمة كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية إذ قال"قصدت من هذا الكتاب خصوص البحث عن مقاصد الإسلام من التشريع في قوانين المعاملات و الآداب التي أرى أنها الجديرة بأن تختص باسم الشريعة و التي هي مظهر ما راعاه الإسلام من تعاريف المصالح و المفاسد و تراجيحها مما هو مظهر عظمة الشريعة الإسلامية بين بقية الشرائع و القوانين و السياسات الاجتماعية لحفظ نظام العالم و إصلاح المجتمع، فمصطلحي إذا أطلقت لفظ التشريع أني أريد به ما هو قانون للأمة و لا أريد به مطلق الشيء المشروع فالمندوب و المكروه ليسا بمرادين لي. كما أرى أن أحكام العبادات جديرة بأن تسمى بالديانة و لها أسرار أخرى تتعلق بسياسة النفس و إصلاح الفرد الذي يلتئم منه المجتمع." [3] ... على ضوء ذلك يقرر عدم الخوض في كتابه مقاصد الشريعة في المجالات الأخرى فيقول:"وإذا لم يكن غرضنا في هذا الكتاب الكلام عن الإصلاح العام في الإسلام فلنلو عنان القلم عن الخوض في صلاح الاعتقاد وفي صلاح الأنفس و في صلاح عمل العبادات" [4] .
فصلاح الاعتقاد من المقاصد الأصلية للقرآن الكريم ومع ذلك عدل عنه لأنه أراد أن يفصل في المقاصد ذات التشريع والتي تعد قانونا للأمة، لذلك أحدد المراد بالمقاصد القرآنية من خلال بيان مستويات الخطاب القرآني والتي يمكن حصرها بثلاثة مستويات المستوى الأول ما جاء به القرآن الكريم من مضامين سواء أكانت خبرا أم إنشاء ويمكن أن تكون جوابًا عن السؤال الآتي لماذا نزلت الآية القرآنية؟ فيكون الجواب نزلت لتخبر أو نزلت لتأمر أو لتنهى. المستوى الثاني: العلل والحكم والمعاني المستنبطة من الخطاب ويمكن أن تكون جوابًا للسؤال الآتي لماذا نزل الأمر بكذا أو النهي عن كذا أو
(1) ـ تتنوع بحسب اعتبار المنطلق والأساس الذي ينظر منه لها؛ فمن جهة اعتبار مرتبتها في القصد قسمت إلى مقاصد أصلية و تابعة، وباعتبار الشمول قسمت إلى مقاصد عامة و خاصة و جزئية. وقسمت من جهة اعتبار العلل إلى مقاصد عالية و قريبة و علل، أما من حيث اعتبار المصالح فقسمت إلى الضروريات و الحاجيات التحسينات و المكملات، ومن جهة تعلقها بعموم الأمة أو أفرادها فقسمت إلى كلية و جزئية، ومن حيث الاحتياج لها لقوام أمر الأمة أو الأفراد إلى قطعية و ظنية و وهمية. انظر: ـ الموافقات في أصول الشريعة، الشاطبي، تحقيق عبدالله دراز، دار المعرفة نبيروت، ج 2/ 7، ج 2/ 134 ـ مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر ابن عاشور، ط 1،مكتبة الاستقامة، تونس،1366 هـ، ص 50 - ص 80 - ص 113 - ص 150. ـ مقاصد الشريعة الإسلامية و علاقتها بالأدلة الشرعية، محمد سعد بن أحمد بن مسعود اليوبي، دار الهجرة، ط 1، السعودية، الرياض،1418 هـ 1998 مـ، صـ 179 و ما بعدها صـ 351 و ما بعدها صـ 385 و ما بعدها.
(2) ـ مقاصد الشريعة، م. س، ص 50.
(3) ـ ن. م: ص 8 وص 9.
(4) ـ ن. م: ص 66. يتأكد هذا التفريق عند علال الفاسي (1910 م 1974 م) من خلال عنونته لكتابه بـ"مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها"إذ أضاف إليها المكارم، فمن العناوين التي ذكرها الفاسي في كتابه وغير المذكورة في كتاب المقاصد لابن عاشور"مكارم الأخلاق مقياس كل مصلحة عامة وأساس كل مقصد من مقاصد الإسلام. انظر: علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 5، 1993، صـ 193 وما بعدها."