الصفحة 4 من 31

الخبر بكذا؟ فيكون الجواب ببيان العلة أو الحكمة أو المعنى أو العبرة. المستوى الثالث هي المقاصد العليا والعامة التي يمكن تحصيلها من مجموعة أدلة الخطاب القرآني أو مجموعة من المعاني والحكم أو العلل أو مجموع الخطاب القرآني. فالمقاصد القرآنية شاملة للمستويات الثلاث.

أما طرق الكشف عن المقاصد القرآنية فتشمل الأدوات المعرفية، والاتجاهات والمناهج التفسيرية التي تُمَكِّن من تحصيل هذه المقاصد.

أما الأدوات التي تساعد على ذلك فهي بالدرجة الأولى المسالك الأصولية في الكشف عن المقاصد من الاستقراء [1] وأدلة القرآن الكريم واضحة الدلالة ومسالك الكشف عن العلة.

الاستقراء بأنواعه التام أو الناقص، المعنوي [2] أو النصي، مهم للكشف عن المقاصد القرآنية الجزئية والقريبة والعالية من خلال استقراء الأدلة الصريحة أو العلل الجزئية أو إشارات النصوص في موضوع أو فكرة ما، وقبل ذلك استقراء الأساليب والاستعمالات اللغوية والبلاغية القرآنية في إطار البعد المقاصدي القرآني، مما يساعد على الكشف عن المقاصد القرآنية وبلورتها.

أما أدلة القرآن الكريم واضحة الدلالة، فهي تمثل الأصول والثوابت التي لا يمكن الكشف عنها إلا باعتماد مسالك الأصوليين في الدلالة، فهي تشكل آلية لا غنى عنها، في تحديد دلالة الخبر والإنشاء، ومن ثم مقاصدها؛ إذ تتميز بهذا المسلك الأدلة قوية الدلالة عن غيرها، كالأمر والنهي الابتدائي التصريحي [3] ، والأخبار التي فيها مدح للفعل أو فاعله، كل ذلك يؤدي إلى التمييز بين التشريع القرآني وبين الخطوط العامة والتوجيهات الكلية، والتمييز أيضًا بين الأوامر والنواهي مما يراد بها التشريع عن غيرها مما لا يراد منه ذلك.

(1) - الاستقراء:"هو الحكم على كل بوجوده في أكثر جزئياته"ـ التعريفات، الجرجاني، تحقيق إبراهيم الأنباري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1،1405 هـ، ج 1/ 37.

(2) - عرف الشاطبي الاستقراء المعنوي بأنه:"الذي لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضافٍ بعضُها إلى بعض، مختلفة الأغراض، بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة، على حد ما ثبت عند العامة جود حاتم، و شجاعة علي رضي الله عنه، وما أشبه ذلك."الموافقات، م. س ج 2/ 39."فالاستقراء المعنوي ليس استقراء لأوصاف عرضية، و لا هو استقراء لذات الأدلة جزئية كانت أم كلية، و إنما هو استقراء لمقتضيات أدلة وردت بأشكال وصيغ مختلفة، لأغراض شتى، و في أبواب متفرقة لكنها تشترك في معنى من المعاني، يكمل كل منها الآخر فيه، و يسند كل منها ما يسبقه من أدلة إلى أن يصل الناظر فيها إلى اليقين، و القطع بكون المعنى الذي اشتركت فيه هذه الأدلة مقصدًا من مقاصد الشارع". نعمان جغيم، الاستقراء عند الإمام الشاطبي، التجديد، س 4، ع 7، فبراير 2000 م ذو القعدة 1420 هـ الجامعة الإسلامية بماليزيا، صـ 204

(3) - معنى الأمر أو النهي الابتدائي أنه ليس وسيلة إلى غيره أو جيء به تبعًا، و معنى الأمر أو النهي التصريحي أنه ما دل على الأمر أو النهي بصيغة من صيغ الأمر أو النهي الصريحة، الموافقات، ج 2/ 298.

ـ التحريروالتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، الدار التونسية/الدار الجماهيرية الليبية، ج 2/ 46. يعتبر عبد المجيد النجار أن مسلك الأمر أو النهي الابتدائي التصريحي يعوزه مزيد البيان إلا إذا نظرنا إليه بصورته المجردة و هو الوقوع بقطع النظر عن تحقيقات هذا الوقوع، لكن يبقى التساؤل التالي مطروحًا"هل وقوع الفعل الذي يقتضيه الأمر مقصد شرعي في ذاته، أو أن المقصد الشرعي هو ما يحققه ذلك الوقوع فلا يكون إذًا الوقوع مقصدًا إذا لم يؤد إلى ثمرته"؟ لذلك يلجأ عبد المجيد النجار إلى التقدير في تبين مقصود الشاطبي من هذا المسلك. و المتمثل في"أن مقصد الشارع من ظاهر الأمر هو إيقاع المأمور به من جهة الانصياع للأمر الإلهي و التسليم له، و هو مقصد عام لا تنقضه جزيئات من التحقيقات قد لا تكون مؤدية إلى مقصد من المقاصد القريبة فتؤخذ بعين الاعتبار ظروف و ملابسات الوقوع من تلك الجهة، فإذا ما لم يتحقق وقوع مقتضى الأمر في هذه الحالة لم يقع الإخلال بهذا المقصد العام الذي هو الانصياع؛ لأن عدم الوقوع ليس متجهًا بالنقض إلى الانصياع بل لتحقيق مقصد آخر قريب، كمثل عدم وقوع القطع في عام المجاعة"كما إن في هذا المسلك حرزًا من الإخلال في إيقاع مقتضى الأمر والنهي تعللًا بالمصلحة في عدم إيقاعه و هو مسلك الباطنية قديمًا و مسلك دعاة تعطيل النصوص حديثًا. عبد المجيد النجار، مسالك الكشف عن مقاصد الشريعة بين الشاطبي و ابن عاشور،،ملتقى ابن عاشور، الكلية الزيتونية، تونس ـ 14 - 15 - 16 ديسمبر 1985 صـ 13.

ـ انظر مثلًا التحرير: ج 15/ 89 - 91،ج 8 ق 1/ 155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت