ولكن مع هذا كله يبقى السؤال مطروحًا: هل من الممكن أن تخلو المجتمعات من استعمال الضرب كعقاب؟ لا شك أن ذلك مرهون بأسبابه ودوافعه لذا يتحول السؤال إلى ما يلي: هل يمكن علاج أسباب ودوافع الضرب في المجتمعات الإنسانية؟
أليس اعتماد وسائل علاج الشقاق بين الزوجين حسب تسلسلها هادفًا إلى التدريب على عدم الضرب بتأخيره وهو ما أدركه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله"ولن يضرب خياركم" [1] ؟
رجح ابن عاشور في مقدمته الأولى أن التأويل مساو للتفسير،"لأن التأويل مصدر أوَّله إذا أرجعه إلى الغاية المقصودة من اللفظ هو معناه و ما أراده منه المتكلم به من المعاني، فساوى التفسير، على أنه لا يُطلق إلا على ما فيه تفصيل معنى خفي معقول. قال الأعشى (7 هـ 629 م) :"
عَلى أنّهاَ كَانَتْ تَأوَّلُ حُبَّهَا ... تَأوُّلَ رِبْعيّ السِّقَابِ، فَأصْحَبَا" [3] ."
(البحر الطويل)
كما أكد هذا المعنى في تفسيره لقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف:53] يقول ابن عاشور"التأويل توضيحُ وتفسير ما خفي، من مقصد كلام أو فعل، وتحقيقه، قال تعالى: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف:78] وقال: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ} [يوسف:100] وقال: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59] وقال: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [الإسراء:35] وتأويله في آية الأعراف هو وضوح معنى ما عدوه كذبًا و محالًا من البعث والجزاء و الرسالة والوحدانية، أي تحقيق ووضوح ما جاء به الكتاب بالمشاهدة [4] ."
أما عن دور المقصد في التأويل؛ فيبدو أنه لا بد من اعتبار المقصد قرينة في وجوب التأويل، وأريد هنا المقصد الخارج عن الآية المفسرة، وهو من خلال الأمثلة السابقة يبدو اعتبار ابن عاشور مخفيًا غير مصرح به، إلا نادرًا، من ذلك مثلًا أنه يعتبر من القرائن الأصول، والأصل في حد ذاته مقصد كما في آية {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام:128] من المواضع التي صرح بها في اعتبار المقصد كقرينة موجبة للتأويل قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران:96] بعد أن بين ـ ابن عاشورـ
(1) - يقول ابن العربي في أحكام القرآن: مِنْ أَحْسَنِ مَا سَمِعْت فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ قَالَ: يَعِظُهَا فَإِنْ هِيَ قَبِلَتْ وَإِلَّا هَجَرَهَا، فَإِنْ قَبِلَتْ وَإِلَّا ضَرَبَهَا، فَإِنْ هِيَ قَبِلَتْ وَإِلَّا بَعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، فَيَنْظُرَانِ مِمَّنْ الضَّرَرُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ الْخُلْعُ. وقَالَ عَطَاءٌ: لَا يَضْرِبُهَا وَإِنْ أَمَرَهَا وَنَهَاهَا فَلَمْ تُطِعْهُ، وَلَكِنْ يَغْضَبُ عَلَيْهَا. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مِنْ فِقْهِ عَطَاءٍ، فَإِنَّهُ مِنْ فَهْمِهِ بِالشَّرِيعَةِ وَوُقُوفِهِ عَلَى مَظَانِّ الِاجْتِهَادِ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالضَّرْبِ هَاهُنَا أَمْرُ إبَاحَةٍ، وَوَقَفَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ: {إنِّي لَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ يَضْرِبُ أَمَتَهُ عِنْدَ غَضَبِهِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يُضَاجِعَهَا مِنْ يَوْمِهِ} .وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُسْتُؤْذِنَ فِي ضَرْبِ النِّسَاءِ، فَقَالَ: اضْرِبُوا، وَلَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ} .فَأَبَاحَ وَنَدَبَ إلَى التَّرْكِ. وَإِنَّ فِي الْهَجْرِ لَغَايَةَ الْأَدَبِ. وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ لَا يَسْتَوُونَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُقْرَعُ بِالْعَصَا وَالْحُرَّ تَكْفِيهِ الْإِشَارَةُ؛ وَمِنْ النِّسَاءِ، بَلْ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ لَا يُقِيمُهُ إلَّا الْأَدَبُ، فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّبَ، وَإِنْ تَرَكَ فَهُوَ أَفْضَلُ. انظر ابن العربي، أحكام القرآن، م. س، ج 2/ 342.
(2) ـ من معاني التأويل في اللغة الإرجاع والتفسير، انظر لسان العرب، م. س، ج 11/ 32 - 33.
(3) ـ التحرير: ج 1/ 16. ديوان الأعشى، موسوعة الشعر العربي، م. س، صـ 7.
(4) ـ التحرير: ج 8 ق 2/ 154.