الصفحة 25 من 31

موجبات تأويل الآية [1] ، ضبط مسالك تأويل الآية بذكر غرض قرآني كلي عام ونفي ما ليس من أغراضه، حتى لا يصب التأويل في تحقيقها فذكر"أن القرآن كتاب شريعة و هدى و ليس من أغراضه تاريخ المباني ولا تاريخ أطوار مساكن البشر فلا يعبأ بذكر المباني غير الدينية ولا الهياكل الدينية الضالة" [2] ذات المعنى يؤكده في التحرير و التنوير بقوله"القرآن كتاب دين و هدى، فليس غرض الكلام فيه ضبط أوائل التاريخ، و لكن أوائل أسباب الهدى، فالأولية في الآية على بابها، و البيت كذلك، و المعنى أنه أوّل بيت عبادة حقة وضع لإعلان التوحيد" [3] .

هذا من جهة كون المقصد قرنية خارجية على وجوب التأويل أو ضبط مسالكه أما من جهة كون المقصد قرنية داخلية على تحديد وجوب التأويل أو جهته، فقد يشكل من حيث أن الآية تحتاج إلى تأويل فكيف نأولها على ضوء مقصد لا يمكن كشفه إلا بإيضاحها من خلال التأويل؟

يمكن أن نرجع ذلك إلى أن تفسير ابن عاشور تجزيئي، بمعنى أنه يقطع الآية إلى تراكيب، يُقصّد كل تركيب على حده، من الممكن عندئذ فهم مقصد الآية و خاصة عندما يكون التركيب المؤول هو ذيل الآية، هذا إذا ارتبط التقصيد بسابق التركيب المؤول، أما إذا لم يسبق التركيب في الآية تركيبًا كشف عن مقصده فإن معرفة المقصد تبقى احتمالية على ضوء السياق، مثال ذلك قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة:210] الاستثناء على أن الاستفهام إنكاري، لكن استعمل إما في التهديد والوعيد، وإما في الوعد، وعلى هذا يجوز أن يكون خبرًا عن اليهود. كما اقتضى ظاهر إسناد الإتيان إلى الله تعالى اتصافه تعالى به، ولما كان الإتيان يستلزم الجسم، والله منزه عنه تعين صرف اللفظ عن ظاهره بالدليل العقلي. لكن نجد ابن عاشور لا يستغني عن المقصد في تأويل هذا التركيب فيقدره حسب سابق الآية وسياقها، جاعلًا هذا التقصيد ضمن احتمالين اثنين أولهما إن كان الكلام خبرًا أو تهكمًا فلا حاجة للتأويل، لأن اعتقادهم ذلك مدفوع بالأدلة، أما ثانيهما إن كان الكلام وعيدًا من الله لزم التأويل، لأن الله عز وجل لا يتصف بصفات الحوادث كالتنقل، لذا فإن ابن عاشور يذكر سبعة وجوه لتأويل التركيب حسب الأصول الأشعرية، وهي ترجع في جملتها إلى جعل التأويل إما في معنى الإتيان أو في إسناده إلى الله أو بتقدير محذوف من مضاف أو مفعول، ويُحسن تقدير أمر عام ليشمل الخير والشر لتكون الجملة وعدًا ووعيدًا [4] .

كما يبرز دور المقصد في التأويل عند ابن عاشور في تجاوز تعسف تأويلات الفرق كما في تأويل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء:48] اعتبرت هذه الآية من المتشابه عند جميع المسلمين، لأن ظاهرها يقتضي أمورًا مشكلة"الأول أن الله قد يغفر الكفر الذي ليس بشرك ككفر اليهود. الثاني أنه يغفر لمرتكب الذنوب ولو لم يتب. والثالث أنه قد لا يغفر للكافر بعد إيمانه وللمذنب بعد توبته، لأنه وكل الغفران إلى المشيئة، وهي تلاقي الوقوع و الانتفاء، و كل هذه الثلاثة جاءت الأدلة المتضافرة على خلافها" [5] . وهنا لا بد من التساؤل التالي:

ألا يمكن اعتبار الأدلة المتضافرة دالة على مقصدٍ كان هو القرينة الداعية إلى التشابه ومن ثم التأويل؟

(1) ـ انظر: التحرير: ج 4/ 13.

(2) ـ تحقيقات و أنظار في القرآن و السنة، م. س، صـ 28.

(3) ـ التحرير: ج 4/ 14.

(4) ـ التحرير: ج 2/ 284.وانظر: الجويني، الشامل في أصول الدين، تحقيق: علي سامي النشار، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1389 هـ 1969 م، صـ 549. وانظر أيضًا تأويله لقوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ} [البقرة:57] التحرير: ج 2/ 286 و انظر أيضًا: التحرير: ج 6/ 244.

(5) ـ التحرير: ج 5/ 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت