القرآن الكريم على ضوء المقاصد العامة للقرآن الكريم. فمن مقاصد القرآن دوام شريعته، ذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لمختلف استنباط المستنبطين، لأخذ الأحكام منه الصالحة للأولين والآخرين هذا أولًا، أما ثانيًا تعويد علماء الأمة ممن حملوا هذه الشريعة بالتنقيب والبحث واستخراج المقاصد من عويصات الأدلة، حتى يكونوا صالحين لفهم تشريع الشارع ومقصده فيه، فيكونوا قادرين على استنباطات الأحكام التشريعية، ولو صيغ لهم التشريع بأسلوب سهل لوقفوا على ما بين أنظارهم بمطالعة واحدة."من أجل هذا كانت صلوحية عباراته لاختلاف منازع المجتهدين، قائمة مقام تلاحق المؤلفين في تدوين كتب العلوم، تبعًا لاختلاف مراتب العصور" [1] .
من أبرز ما كان للمقصد دور في الكشف عنه وتجليته في تفسير التحرير والتنوير هو بيان وجه ترتيب الآيات بعضها عقب بعض، و خاصة أن ابن عاشور قد قرر في مقدمته الثامنة من تفسيره أن الأصل أن يكون بين الآية ولاحقتها تناسب في الغرض أو في الانتقال منه أو نحو ذلك من أساليب الكلام المنتظم المتصل [2] .
تتنوع طرق تجليه وجه المناسبة بين الآيات لكنها غالبًا ما تنطلق من مقصد الآية أو الآيات السابقة، لتلحق بها الآية اللاحقة، أو يكشف ابن عاشور عن مقصد الآية اللاحقة ليبين وجه الصلة بين المقصدين مقصد الآي السابق و مقصد الآية اللاحق. هذا إذا لم يلتفت إلى ربط الآية بغرض السورة العام.
من الأمثلة التي بين فيها ابن عاشور أن المناسبة بين الآية السابقة واللاحقة هو الاتحاد في المقصد ـ بعد أن قصّد كلًاَ من الآيتين ـ قوله تعالى: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة:124] أخذ المشركون مع أهل الكتاب من اليهود و النصارى في الآيات السابقة حظهم من الإنذار والموعظة فيما اشتركوا به، وأخذ اليهود والنصارى حظهم من ذلك فيما اختصوا به، فتهيأ المقام لتخصيص الخطاب بمشركي العرب بالتوجه إليهم لإعطائهم حظهم من الموعظة كاملًا فيما اختصوا به، فمناسبة ذكر فضائل إبراهيم عليه السلام عقب ذكر أحوال بني إسرائيل، هي"الاتحاد في المقصد، فإن المقصود من تذكير بني إسرائيل بالنعم و التخويف، تحريضهم على الإنصاف في تلقي الدعوة الإسلامية والتجرد من المكابرة والحسد وترك الحظوظ الدنيوية لنيل السعادة الأخروية. والمقصود من ذكر قصة إبراهيم موعظة المشركين ابتداء وبني إسرائيل تبعًا له، لأن العرب أشد اختصاصًا بإبراهيم من حيث إنهم يزيدون على نسبهم إليه بكونهم حفظة حرمه ومنتمين قديمًا للحنيفية و لم يطرأ عليهم دين يخالف الحنيفية بخلاف أهل الكتابين" [3] .
كشف علماء الأصول في كتبهم عن أهمية المقصد في الاجتهاد في الأحكام الشرعية، لذا لن يكون القصد بحث دور المقصد في هذا الاجتهاد وإنما سيكون تجلية لأهمية المقصد في استنباط الأحكام وعللها من النص القرآني.
(1) ـ التحرير: ج 3/ 158.
(2) ـ التحرير: ج 1/ 79.
(3) ـ التحرير: ج 1/ 700 و انظر أيضًا: التحرير: ج 1/ 373.