من الأمثلة على ذلك الاستعانة بعلة الطلب لمعرفة دلالة صيغة الطلب هل هي للاستحباب أم للوجوب في قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة:241] اختلف في دلالة الصيغة، فالذين حملوا الطلب على الاستحباب، استندوا على علة مشروعية المتعة: وهي جبر خواطر المطلقة استبقاء للمودة [1] .
كذلك دلالة صيغة الأمر في قوله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء:6] تحتمل الوجوب و تحتمل الندب، وفي البرهنة على كل محمل لا بد من ملاحظة مقصد الشريعة، فإن"لو حظ ما فيه من تحقيق مقصد الشريعة من رفع التهارج و قطع الخصومات، كان الإشهاد واجبًا نظير ما تقدّم في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة:282] و للشريعة اهتمام بتوثيق الحقوق لأن ذلك أقوم لنظام المعاملات" [2] .
ومن صور الاستفادة من المقصد رد بعض أقوال الفقهاء المستنبطة من الآية لمخالفتها مقصدها الآية قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام:121] المقصد من الآية: تحذير المسلمين من ترك التسمية تمويهًا، و النهي عن أكل ما ذكر اسم غير الله عليه.
عرض ابن عاشور أقوال الفقهاء في حكم التسمية على الذبيحة و منها مسألة تعمد ترك التسمية لا لقصد استخفاف أو تجنب و إنما للتثاقل عنها، فذهب أحمد بن حنبل إلى أن الذبيحة لا تؤكل إذا لم يسم عليها عمدًا أو نسيانًا، أخذًا بظاهر الآية، رد ابن عاشور هذا القول لمخالفته للمقصد و السياق، و رجح من الأقوال قول الشافعي و إحدى الروايات عن مالك بأن من تعمد ترك التسمية تؤكل ذبيحته لأن الآية لم يقصد منها إلا تحريم ما أهل به لغير الله، فقد يكون تارك التسمية عمدًا آثمًا، إلا أن إثمه لا يبطل ذكاته [3] .
ومن هذه الصور أيضًا تحكيم المقاصد العامة في سبر العلل ورفض التعليل ببعضها لمخالفتها المقاصد العامة كعدة الوفاة المذكورة في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة:234] رفض ابن عاشور أن تعلل عدة الوفاة بالإحداد على الزوج،"لأنه لا يظن بالشريعة أن تقرر أوهام أهل الجاهلية، فتبقي منه تراثًا سيئًا، لأنه قد عهد من تصرف"
(1) ـ حمل الشافعي الطلب على الاستحباب بينما ذهب عطاء و جابر بن زيد، و سعيد بن جبير، و ابن شهاب و القاسم بن محمد، و أبو ثور إلى الوجوب. التحرير: ج 2/ 474 - 475. انظر تفصيل ذلك للشافعي، أحكام القرآن، م. س، ج 1/ 201، تفسير الطبري، ج 2/ 532 - 536 و 583 - 584. عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي، الدر المنثور، دار الفكر، بيروت، 1993 م، ج 1/ 740. احكام القرآن للجصاص، م. س، ج 2/ 137.
(2) ـ و إن لوحظ ما فيه من الاحتياط لحق الوحي كان الإشهاد مندوبًا لأنه حقه فله أن لا يفعله. التحرير: ج 4/ 246 - 247.
(3) ـ التحرير: ج 8 ق 1/ 41 - 39. انظر هذه الأقوال وأدلتها في تفسير البيضاوي، م. س، ج 2/ 448، تفسير القرطبي، م. س، ج 7/ 74 - 77. تفسير الطبري، م. س، ج 8/ 15 - 21. أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، دقائق تفسير التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية، تحقيق: محمد السيد الجلنيد، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، 1404 هـ، ط 2، ج 2/ 9،ج 2/ 130 - 133. أحكام القرآن للجصاص، م. س، ج 4/ 171.