فهرس الكتاب
الإسلام إبطال تهويل أمر الموت، و الجزع له، الذي كان عند الجاهلية"فضلًا عن أن الإسلام نسخ ما كان عليه أهل الجاهلية من الإحداد حولًا كاملًا [1] .فإبطال أوهام الجاهلية من مقاصد الشريعة العامة."
ومن ذلك تأديب الرجل المرأة إذا كانا زوجين، فذهب ابن عاشور إلى أن المراتب المذكورة في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء:34] ، قد روعي فيها عرف بعض الطبقات من الناس، أو بعض القبائل"فإن الناس متفاوتون في ذلك، وأهل البدو منهم لا يعدون ضرب المرأة اعتداء ولا تعده النساء أيضًا اعتداء" [2] فالضرب في الآية إذن لقوم لا يعدون صدوره من الأزواج إضرارًا ولا عارًا ولا بدعًا من المعاملة، ولا تشعر نساؤهم بمقدار غضبهم إلا بشيء من ذلك [3] .
فحكم مقاصد الشريعة وقواعدها في ضبط الإذن بالضرب، وتقيده بها لأن أصل قواعد الشريعة لا تسمح بأن يقضي أحد لنفسه لولا الضرورة، بيد أن ذلك مقيد بالسلامة من الإضرار، وصدوره ممن لا يعد الضرب بينهم إهانة وإضرارا، بل إن ابن عاشور يذهب أبعد من ذلك بأن يجوز لولاة الأمور أن يعاقبوا من يضرب امرأته إذ علموا أن الأزواج لا يحسنون وضع العقوبات الشرعية مواضعها، ولا الوقوف عند حدودها، كيلا يتفاقم أمر الإضرار بين الأزواج، ولا سيما عند ضعف الوازع [4] .
أما الدراسات التي استعملت فيها القراءة المقاصدية من أجل بيان الحكم القرآني فمنها دراسة محمد الطالبي لقضية تأديب المرأة بالضرب، ينطلق في فهم ضرب المرأة المذكور في آية النساء من تنزيل الآية في بيئتها ضمن أبعادها التاريخية والإناسية والاجتماعية والنفسية باعتبارها ضرورية لاستجلاء البعد الإلهي للخطاب في البعد الإنساني، لا يقصد الاستغناء عن البعد الإلهي لفهم الظاهرة الدينية.
كما يعتمد المنهج التاريخي في قراءته للروايات المفسرة للآية النساء، فيعيد ترتيب هذه الروايات بأسلوب يراعي تسلسلها الزمني المنطقي، حتى يتمكن من استجلاء القضية وتتبعها في نشوئها وتطورها، وحلها نهائيًا عن طريق الوحي والتنزيل يفهمها من نسق كلية الروح القرآنية ومقاصد الشريعة.
يستنبط الطالبي من الروايات أن نساء أهل المدينة كن أكثر تحررًا من نساء أهل مكة [5] .ثم يفرق بين قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم بمنع الضرب، وبين الحكم في الآية القرآنية. إذ يفهم من ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يهدف إلى التسوية بين الذكر والأنثى، وكف الرجال عن ضرب نسائهم عملًا بأدب المدينة في ذلك، والحكم بالقصاص في حالات المخالفة، ويستشهد بعديد الروايات على أن الإسلام فتح الباب لحركة نساوية تطالب بحقوق النساء والمساواة مع
(1) ـ التحرير: ج 2/ 443.
(2) ـ التحرير: ج 5/ 41.
(3) ـ التحرير: ج 5/ 42 كما جوز ابن عاشور أن يكون المخاطب مجموع من يصلح لهذا العمل من ولاة الأمور والأزواج، كما أعلن ابن عاشور عن إعجابه بتأويل عطاء للآية إذ قال"لا يضرب الزوج امرأته ولكن يغضب عليها"التحرير: ج 5/ 43.
(4) ـ التحرير: ج 5/ 44.
(5) ـ انظر: محمد الطالبي، أمة الوسط، دار سرارس للنشر، تونس، 1996 م، صـ 118 - 121.