الصفحة 22 من 31

الرجال في كل شيء، وبالمقابل كان الرجال يمارسون ضغوطًا ضد نساوية معاكسة على النبي صلى الله عليه وسلم رجحت في النهاية كفة ما أراده الله على ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم.

يعلل رجحان هذه الكفة على ضوء قراءة تاريخية إناسية، فيستنبط من الروايات أن المرارة والكبت قد تراكما في صدور الرجال، بسبب أن نساءهم زئرن عليهم إلى حد لا يحتمل في نشوة ما كن تعودنها من قبل، ولا بد أنهن في مثل هذه الحالات أسأن التصرف إلى حد الاستفزاز، في فترة من أشد فترات الأمة تأزمًا، كان ذلك كله عشية غزوة أحد، إذ كان الإسلام وقتها مهددًا بالاستئصال من جذوره، كل ذلك يدل على أن البيئة لم تكن مهيئة لتسوية مطلقة [1] .

فكان ما أراده الله عز وجل في تلك الظروف خيرًا مما أراده رسوله من قبل درأ للفتنة التي كانت على الأبواب، ولأن مستوى العقليات لم تبلغ بعد النضج الكافي للسماح للحركة النساوية [2] ، ولتجاوز ذلك لابد من الاجتهاد لإدراك غاية الشارع إذ يقول الطالبي:"فإن كانت إذن إباحة تأديب الزوجة بالضرب، إباحة كراهية ـ"ولن يضرب خياركم"ـ خيرًا في الظروف الخاصة التي فرضتها، فإننا نستخلص من كل ذلك أن غاية الشارع، وهو الله، ومقاصده القصوى تقتضي أن تزول هذه الإباحة بزوال الظروف التي أملتها، وهذه نقطة منهجية أساسية في التعامل مع النص، وقراءته قراءة تاريخية، لا تنقص من قيمة النص شيئًا ولا تتجاوزه، وإنما تحاول أن تدرك مقصده ومغزاه، وتحققه" [3] .

ثم يعيد قراءة آيتي سورة النساء {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء:34 - 35] قراءة مقاصدية تفضي إلى منع الضرب إطلاقًا في زماننا وظروفنا، فالآيتان تهدفان إلى تجنب انفصام وشائج الزواج بذكر الله عز وجل مجموعة من المبادئ، وتحديد الواجبات المتقابلة، والتوصية بخطة لإصلاح ذات البين، ورتق الفتق داخل العائلة دون لجوء إلى الفراق وتدخل القضاء ما دام السبيل إلى ذلك ممكنًا فبداية يذكر الله عز وجل واجبات رئيس الأسرة بقوله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} لتهدف في النهاية إلى مساواة حقيقية تراعي ميزات وفضائل الجنسين، لأن الله عز وجل لم يوجب على المرأة الاكتفاء بالشؤون المنزلية دون غيرها، وأن عملها الكسبي يفرض عليها القيام بشؤون الأسرة وهذه ميزة غير مستهان بها في صالح المرأة، لضمان استقلاليتها وحفظ كرامتها، وتحقيق مساواتها مع الرجل، دون أن يمنع أو ينفي ذلك إسهام الزوجة في الإنفاق إذا مارست عملًا كسبيًا يخول لها ذلك.

أما القسم الثاني من الآية فهو يهم الأسرة التي تسرب إليها الشقاق، يوصي فيها الله عز وجل بجملة من المقاربات تهدف إلى أن يبقى الخلاف داخل نطاق السرة، اعتمادًا أولًا على العظة الحسنة و الآية التالية تعالج تصدع الأسرة عندما تخفق وسائل العلاج السابقة بدون تدخل خارجي بين الزوجين، ويخاف أن يحدث شقاق ينتهي بفك قران الزوجية، فيلاحظ الطالبي في الآية التسوية الكلية بين الزوجين في الوسائل الإجرائية التي تهدف إلى إصلاح ذات البين بدون اللجوء إلى

(1) ـ ن. م، صـ 121 - 125.

(2) ـ ن. م، صـ 132.

(3) ـ ن. م، صـ 133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت