الصفحة 12 من 31

من الأمثلة التي وقفت عليها في هذه الصورة قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران:96] عرض ابن عاشور أقوال المفسرين في المراد من الآية، فبين أن قتادة ومجاهد والسدي وقليل من المفسرين حملوا الآية على ظاهرها بجعل الأولية حقيقية والناس على عمومه، على أساس أن بناء إبراهيم للكعبة هو تجديد لبناء آدم الذي دُرس من بعده، وقد رويت في ذلك أقاصيص أسانيدها ضعيفة حسب ابن عطية إلا أن المحققين لم يأخذوا بهذا الظاهر وتأولوا الآية، قال علي رضي الله عنه (كان قبل البيت بيوت كثيرة) و قد تعدد في القرآن التصريح ببناء إبراهيم للكعبة و لو كان للأنبياء قبله دور في بنائها لذكر ذلك تنويهًا بشأنها، لذا فلا يجوز أن يكون أول بناء بني على وجه الأرض في عهد إبراهيم، لأن قبل إبراهيم كان قد وجدت أمم وعصور كان البناء فيها كبرج بابل فتعين تأويل الآية بوجه ظاهر، و قد سلك العلماء مسالك فيه: و هي راجعة إلى تأويل الأول، أو تأويل البيت، أو تأويل فعل وُضع، أو تأويل الناس، أو تأويل نظم الآية [1] . و الذي يراه ابن عاشور في التأويل أن القرآن كتاب دين وهدى، و ليس من أغراضه تاريخ المباني ولا تاريخ أطوار مساكن البشر فلا يعبأ بذكر المباني غير الدينية، والآية مسوقة للاستدلال على وجوب اتباع ملة إبراهيم معنيًا بها الإسلام ووجوب الحج، فتعين أن يكون المراد من الأول في النوع، والمعنى أنه أول بيت عبادة حقة وضع لإعلان التوحيد، فكان أول معهد للهدى، وأول رمز للتوحيد [2] .

يتضح من هذا المثال أن ابن عاشور عدل عن المعنى الظاهر من التركيب لمعارضته غرضًا لا ينتمي إلى المقاصد الأصلية للقرآن الكريم، فأولّ مفردات التركيب على نحو يتفق والسياق الذي جاءت لأجله الآية، و بهذا لم يحمل الآية ما لا تحتمل من جهة تحقيق مقصدها، أي عدم تحميلها غرضًا ليس من الأغراض القرآنية.

أعرب جمهور المفسرين [3] "إذ"في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} [البقرة:30] ظرفًا وجعلوها متعلقة بقوله"قالوا"لكن ابن عاشور ينفي هذا الفهم ويسمه بالبعد؛ لأنه يفضي إلى أن يكون المقصود من القصة قول الملائكة لأن"المقصود من العبرة هو خطاب الله لهم وهو مبدأ العبرة وما تضمنته من تشريف آدم وتعليمه بعد الامتنان بإيجاد أصل نوع الإنسان" [4] .

(1) ـ انظر هذا التأويلات في تفسير الطبري، م. س، ج 4/ 7 - 11. عبد الرزاق همام الصنعاني، تفسير القرآن، مكتبة الرشد، الرياض، تحقيق: مصطفى مسلم محمد،1410 هـ، ط 1، ج 1/ 127. عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، الجواهر الحسان في تفسير، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ج 1/ 590. تفسير البيضاوي، م. س، ج 2/ 67. علي بن أحمد الواحدي، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق صفوان عدنان داوودي، دار القلم، دمشق، 1415 هـ، ط 1، ج 1/ 224.عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 3، 1404 هـ، ج 1/ 424. روح المعاني، م. س، ج 4/ 4.

(2) ـ التحرير: ج 4/ 13 - 14 تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة، م. س، صـ 27 - 28.وإلى ذلك ذهب الزمخشري، انظر: الكشاف، م. س، ج 1/ 378.

(3) ـ من وجوه إعراب"إذ"في الآية مفعول به تقديره و اذكر إذ قال، واذكر وقت، وقيل خبر مبتدأ محذوف تقديره ابتداء خلقه إذ قال ربك، وقيل إذ زائدة. انظر محب الدين عبد الله بن الحسين الكعبري، التبيان في إعراب القرآن، إحياء الكتب العربية، تحقيق: محمد البجاوي، ج 1/ 27، تفسير البيضاوي، م. س، ج 3/ 368. روح المعاني، م. س، ج 1/ 218.

(4) ـ التحرير: ج 1/ 396.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت