حرص ابن عاشور على إبراز الصلة بين أجزاء الخطاب القرآني ضمن جميع مستوياته بدءًا من الحرف وانتهاء بالآيات فمن ذلك:
ابتدئت سورة آل عمران بحروف التهجي"آلم"فبين ابن عاشور وجه مناسبة الابتداء بها، على ضوء أول أغراض السورة، المتمثلة بمجادلة نصارى نجران حين وفدوا إلى المدينة، و بيان فضل الإسلام على النصرانية، فافتتحت بحروف التهجي، المرموز بها إلى تحدي المكذبين بهذا الكتاب [1] .
كما بين وجه مجيء إن الشرطية في قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:24] علمًا أن الأصل منها عدم القطع، مع أن عدم فعلهم هو الأرجح بقرنية مقام التحدي و التعجيز، لأن القصد إظهار هذا الشرط في صورة النادر، تحقيقًا لتوفير دواعيهم على المعارضة بطريق الملاينة و التحريض، ومبالغة في استنزال طائر الخصم وتقيدًا لأوابد مكابرته [2] .
نزل ابن عاشور الشرط في هذه الآية ضمن مقصدها تحقيقًا له [3] . لعل حرص ابن عاشور على تجلية مناسبة معنى الكلمة للسياق أكثر ما تكون في المواضع التي تحرض على التساؤل عن سبب اختيار هذه الكلمة في موضع دون آخر، من الكلمات التي علل ابن عاشور مناسبة معناها للسياق على ضوء المقصد كلمة"لتنذر"المذكورة في قوله تعالى: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين} [الأعراف: 2] قال ابن عاشور:"و جعل الإنذار به مقدمًا في التعليل لأنه الغرض الأهم لإبطال ما عليه المشركون من الباطل وما يخلفونه في الناس من العوائد الباطلة التي تُعانى [أزالتها] [4] من النّاس بعد إسلامهم" [5] .
كما كشف ابن عاشور عن وجه مناسبة الجملة لسياقها على ضوء المقصد كما في قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام:89] فبين وجه تعقيب جملة الشرط في قوله تعالى: {فَإِنْ يَكْفُرْ} والتفريع على جملة {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ} بأن"الغرض من الجمل السابقة من قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ} [الأنعام:74] هو تشويه أمر الشرك بالاستدلال على فساده بنبذ أهل الفضل والخير إياه، فكان للفاء العاطفة عقب ذلك موقع بديع من أحكام نظم الكلام" [6] .
من المعلوم أن آيات القرآن الكريم قسمت من حيث الوضوح و الخفاء إلى محكم ومتشابه قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران:7] بين ابن عاشور سبب وجود المتشابه في
(1) ـ التحرير: ج 3/ 146.
(2) ـ التحرير: ج 1/ 342.
(3) ـ لعل من زيادة القول إن تذييل الآيات كما بينت سابقًا فيها ترشيح لمقصود الآية وتحقيق لها لذا فإن ابن عاشور حريص على بيان وجه المناسبة بين الآية و تذييلها، غالبًا لن يتم إدراك هذه المناسبة إلا على ضوء مقصد الآية. و انظر أيضًا: التحرير: ج 1/ 323.
(4) ـ لعلها إزالتها.
(5) ـ التحرير: ج 8 ق 2/ 14.
(6) ـ التحرير: ج 7/ 353. وانظر أيضًا دور المقصد في بيان الصلة بين جملتين في الآية الواحدة التحرير: ج 9/ 309.