عرض ابن عاشور تأويلات الفرق [1] في المذنب الذي مات قبل توبته واعتبرها كلها"تعسفات تُكره القرآن على خدمة مذاهبهم." [2] ثم يدعو إلى التقيد بالمقصود من الآية والاحتكام فيما عدا ذلك إلى هذه الآية، التي كان المراد بها الإعلام بأحوال مغفرة الذنوب"فهي آية اقتصر فيها على بيان المقصود، و هو تهويل شأن الإشراك، وأجمل ما عداه إجمالًا عجيبًا، بأن أدخلت صوره كلها في قوله"لمن يشاء"المقتضي مغفرة لفريق مبهم ومؤاخذة لفريق مبهم. والحوالة في بيان هذا المجمل على الأدلة الأخرى المستقرأة من الكتاب والسنة، ولو كانت هذه الآية مما نزل في أول البعثة لأمكن أن يقال: إن ما بعدها من الآيات نسخ ما تضمنته، ولا يهولنا أنه خبر لأنها خبر مقصود منه حكم تكليفي، ولكنها نزلت بعد معظم القرآن فتعيّن أنّها تنظر إلى كلّ ما تقدّمها، وبذلك يستغني جميع طوائف المسلمين عن التعسف في تأويلها كل بما يساعد نحلته، و على هذا يتعين حمل الإشراك على معناه المتعارف في القرآن و الشريعة المخالف لمعنى التوحيد" [3] .
في التحرير والتنوير للمقصد أهمية كبيرة، سواء في إبراز التعليلات البلاغية أم في تحديد المراد منها، لأن الاعتبارات البلاغية تتعدد وإذا لم يكن القول بها مقيدًا بالمقصد الذي سيق لأجله الكلام، لقال من شاء ما شاء، ولأصبح النص القرآني لعبة في المعنى.
من الصور التي وقفت عليها في التحرير والتنوير:
حكّم ابن عاشور الغرض من كل آية من آيتين فصلت الثانية منهما عن الأولى لبيان وجهة المناسبة بينهما هاتان الآيتان قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة:104 - 105] فغرض الآية الأولى تأديب المؤمنين مع التعريض باليهود، وأما الآية الثانية فلبيان حسد اليهود وغيرهم للمسلمين،"ووجه المناسبة بين الآيتين ظاهر الاتحاد في المآل و لأن الداعي للسب و الأذى هو الحسد" [4] .
أما مثال تعليل التفريع على ضوء المقصد قوله تعالى: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [هود:24] .علل التفريع بالفاء في جملة {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} لأن المقصود من الآية"تنبيه المشركين لما هم فيه من الضلالة لعلهم يتداركون أمرهم" [5] .
2 ـ حمل اللفظ على المعنى المجازي: قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف:50] جوز ابن عاشور أن يحمل الفيض في الآية على
(1) ـ انظر بعض هذه التأويلات: القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، متشابه القرآن، تحقيق عدنان زرزور، مكتبة دار التراث، القاهرة، 1969 م، ج 1/ 187.الكشاف، م. س، ج 1/ 509. الانتصاف، م. س، ج 1/ 509.
(2) ـ التحرير: ج 5/ 82 - 83.
(3) ـ التحرير: ج 5/ 83.
(4) ـ التحرير: ج 1/ 652.
(5) ـ التحرير: ج 12/ 43.