المقصود من الآية"تحذير المسلمين من هذا الترك المقصود به التمويه، وأن يسمّى على الذبائح غيرُ أسماء آلهتهم. فإذا اعتددنا (ابن عاشور) بالمقصد والسياق، كان اسم الموصول مرادًا به شيء معين، لم يذكر اسم الله عليه، فكان حكمها قاصرًا على ذلك المعين، ولا يتعلق بها مسألة وجوب التسمية في الذكاة، ولا كونها شرطًا أو غير شرط بله حكم نسيانها" [1] .
الضمير المجرور بمن في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} [الأعراف:164] عائد إلى ما عاد إليه ضمير"اسألهم"في الآية السابقة {وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} [الأعراف:163] وهو سؤال بني إسرائيل الحاضرين عنها، وليس عائدًا إلى القرية، لأن المقصود توبيخ بني إسرائيل كلهم، لكن إن كان هذا القول قد حصل في تلك القرية كما ذكره المفسرون [2] كان غير منظور إلى حصوله في تلك القرية، بل لأنه مظهر من مظاهر عصيانهم وعتوهم، وقلة جدوى الموعظة فيهم [3] .
نقل ابن عاشور اختلاف المفسرين في المراد من المستقر و المستودع في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الأنعام:68] و يبدو أنه رجح تفسير ابن عطية في تنسيب المستقر والمستودع فالإنسان في كل رتبة من نشأته إلى مصيره في الجنة أو النار، مستقر بالنسبة إلى المرحلة التي قبلها، و مستودع بالإضافة إلى التي بعدها، يقول ابن عاشور:"والأظهر أن لا يقيد الاستيداع بالقبور بل هو استيداع من وقت الإنشاء، لأن المقصود التذكير بالحياة الثانية، ولأن الأظهر أن الواو ليست للتقسيم بل الأحسن أن تكون للجمع، أي أنشأكم فشأنكم استقرار واستيداع فأنتم في حال استقراركم في الأرض ودائع فيها ومرجعكم إلى خالقكم كما ترجع الوديعة إلى مودعها" [4] .
مثاله قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام:141] "المقصود من هذه الآية: الامتنان و إبطالُ ما ينافي الامتنان ولذلك ذيلت بقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} " [5] . ذكر ابن عاشور أن الخطاب في هذه الآية موجه إلى المؤمنين والمشركين، لأنه اعتبار وامتنان، وللمؤمنين الحظ الأوفر من ذلك بدليل قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} إذ لا يصلح للمشركين [6] .
(1) ـ أما إن جعل هذا المقصد بمنزلة سببٍ للنزول، واعتد بالموصول صادقًا على كل ما لم يذكر اسم الله عليه، كانت الآية من العام الوارد على سبب خاص، فلا يختص بصورة السبب، وإلى هذا الاعتبار مال جمهور الفقهاء المختلفين في حكم التسمية على الذبيحة. التحرير: ج 8 ق 1/ 39 - 40.
(2) ـ انظر: الكشاف، م. س، ج 2/ 165.
(3) ـ التحرير: ج 9/ 150.
(4) ـ التحرير: ج 7/ 397.
(5) ـ التحرير: ج 8 ق 1/ 117.
(6) ـ التحرير: ج 8 ق 1/ 117.