الصفحة 14 من 31

تكليف خاص للإعنات، على أن الزيادة على النص ليست بنسخ عند المحققين و تسميتها بالنسخ اصطلاح القدماء" [1] .فما سيقت لأجله الآية من مقصد التأديب يعد عند ابن عاشور قيدًا مانعًا من جعل الآية دليلًا على مسائل ليست من أغراضها."

استدل بعض المفسرين بقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة:170] على الاجتهاد و ترك التقليد، لكن ابن عاشور ينفي أن تكون لهذه الآية تعلق بأحكام الاجتهاد والتقليد لأنها ذم وتفظيع لحال الذين أبوا أن يتبعوا ما أنزل الله فأما التقليد فهو تقليد للمتبعين ما أنزل الله [2] .

يبدو أن ابن عاشور يرى أن كل آية لم تدل دلالة أصلية أو تبعية على حكم من الأحكام، لا يصح أن نجعلها دليلًا على هذا الحكم، كما هو شأن عديد المفسرين كما في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة:104] .فليس لهذه الآية"تعلق بمسألة الاجتهاد و التقليد كما توهمه جمع من المفسرين، لأن هذه الآية في تنازع بين أهل ما أنزل الله و أهل الافتراء على الله، فأما الاجتهاد و التقليد في فروع الإسلام فذلك كله من اتباع ما أنزل الله. فتحميل الآية هذه المسألة إكراه للآية على هذه المعنى" [3] .

مثاله قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المائدة:96] [4] صرحت الآية بعدم تحريم صيد البحر في حال الإحرام، لذا فإن ابن عاشور يرى أن الآية ليست دليلًا يستدل به على الخلاف فيما يؤكل من صيد البحر وطعامه وما لا يؤكل منه،"فليس هذا موضع ذكره، لأن الآية ليست بمثبتة لتحليل أكل صيد البحر و لكنّها منبهة على عدم تحريمه في حال الإحرام" [5] .

5 ـ عدم التفصيل لأنه ليس المقصود من الآية:

قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة:26] فصل ابن عاشور في بيان معنى الفسق، دون أن يستطرد في ذكر مذاهب العلماء في الفسق و تأثيره في الإيمان؛ لأنه ليس هذا مقام بيانه كما صرح، إذ ليس هو المقصود من الآية [6] .

(1) ـ التحرير: ج 1/ 552.

(2) ـ التحرير: ج 2/ 106 - 110.

(3) ـ التحرير: ج 7/ 76. وكذلك قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:28] ليس فيها مستند لإبطال التقليد في الأمور الفرعية أو الأصول الدينية، لذات التعليل المذكور في المتن. التحرير: ج 8 ق 2/ 85. وانظر أيضا: التحرير: ج 8 ق 1/ 188 - 189. دور المقصد في عدم تحميل الآية لوازم معانيها. وانظر تفسير القرطبي، م. س، ج 2/ 211.

(4) ـ استعمال لفظ"أحل"صريح في الدلالة على مقصد الإباحة.

(5) ـ التحرير: ج 7/ 52.انظر خلاف ذلك في تفسير القرطبي، م. س، ج 6/ 318 وما بعدها.

(6) ـ التحرير: ج 1/ 367.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت