كررت القصص القرآنية في أكثر من سورة، لأغراض يقتضيها سياق و مقام السورة. من ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:161] فهذه الآية نظير ما في سورة البقرة مع اختلاف أسلوب التعبير في كل آية عن الأخرى، علل ابن عاشور هذا الاختلاف مستعينًا بالمقصد من السياق في كل آية؛ اقتصر في آية الأعراف على حكاية أنه قيل لهم و كانت آية البقرة أولى بحكاية ما دلت عليه فاء التعقيب، لأن الأخيرة"سيقت مساق التوبيخ فناسبها ما هو أدل على المنة، و هو تعجيل الانتفاع بخيرات القرية، و آيات الأعراف سيقت لمجرد العبرة بقصة بني إسرائيل" [1] .
كما علل ابن عاشور اختلاف ترتيب النظم بين الآيتين المتشابهتين، كقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:10] نظيرة قوله في سورة آل عمران مستعينًا في هذا التعليل بالمقصد الذي سيقت لأجله الآية، من هذا الاختلافات أنه قال في سورة آل عمران {إِلَّا بُشْرَى لكمْ} و حذف"لكم من الأنفال وفقًا لتكريرها، لسبقها في قوله {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} فأغنت في إعلام أن البشرى لهم، و لأن آية آل عمران سيقت مساق الامتنان و التذكير بنعمة النصر في حين القلة و الضعف، فكان تقيد"بشرى"بأنها لأجلهم زيادة في المنة، أما آية الأنفال فهي مسوقة مساق العتاب على كراهية الخروج إلى بدر في أول الأمر [2] ."
بينت سابقًا أن من مسالك الكشف عن المقاصد استقراء الأدلة الكثيرة في حكم معين، فعلى ضوء استدلال ابن عاشور بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة [3] بين نوعية القصر في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال:2] فقد دلت على أن الإيمان لا ينقضه الإخلال ببعض الواجبات و هذا يمكن اعتباره مقصدًا استعان به ابن عاشور لبيان أن القصر في الآية ادعائي نُزل الإيمان الذي عَدم الواجبات العظيمة منزلة العدم، فشبه الجانب المنفي في صيغة القصر بمن ليس مؤمن، و رمز إلى المشبه به بذكر لازمه و هو حصر الإيمان فيمن اتصف بالصفات التي لم يتصف بها المشبه به على سبيل الاستعارة المكنية، فيكون المعنى إنما المؤمنون الكاملو الإيمان [4] .
من صور استثمار المقصد تحكيمه في تبرير الإيجاز كما في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف:15] فمن بديع الطي في هذه الآية أنها صالحة للدلالة على أن مدة الحمل قد تكون دون تسعة أشهر، فالآية لم تحدد الحمل بتسعة أشهر،"لأن الغرض إظهار حق الأم في البر بما"
(1) ـ انظر تفصيل هذه الاختلافات التحرير: ج 9/ 145.
(2) ـ التحرير: ج 9/ 276 - 277.
(3) ـ يقول ابن عاشور:"و هذا تأويل الكلام دعا إليه الجمع بين عديد الأدلة الواردة في الكتاب و السنة القولية و الفعلية من ثبوت و صف الإيمان لكل من أيقن بأن الله منفرد بالألوهية و أن محمد رسول الله إلى الناس كافة، فتلك الأدلة بلغت مبلغ التواتر المعنوي المحصّل للعلم الضروري بأن الإخلال بالواجبات الدينية لا يسلب صفة الإيمان و الإسلام عن صاحبه فليس حمل القصر على الادعائي هنا مجرد صنع باليد، أو ذهاب مع الهوى على أن شأن الاتصاف ببعض صفات الفضائل أن يتناسق مع نظائرها فمن كان بحيث إذا ذكر الله وجل قلبه لا بد أن يكون بحيث إذا تُليت عليه آيات الله زادته إيمانًا"التحرير: ج 9/ 261.
(4) ـ التحرير: ج 9/ 255 و انظر أيضًا في ذات القصر قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال:4] التحرير: ج 9/ 261 و انظر أيضًا في تبرير العدول عن صيغة القصر إلى ذكر جملتي أمر ونهي على ضوء مقصد النص. التحرير: ج 21/ 250.