الصفحة 27 من 31

المعنى المجازي، و هو سعة العطاء و السخاء من الماء و الرزق، إذ يرى أن معنى الصب للفيض ليس بمناسب، لأن المقصود الإرسال والتفضل [1] .

علل ابن عاشور تأكيد الخبر باللام في قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف:59] بالغرض العام من هذه الأخبار و هو"تنظير أحوال الأمم المكذبة رسلها بحال مشركي العرب في تكذيبهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم" [2] .

من مسوغات التقديم و التأخير الاهتمام بالمقصد الأصلي الذي سيق لأجله الكلام لذا، لابد لمن أراد تعليل التقديم و التأخير أن يدرك المقصد الأصلي للكلام مثاله قوله تعالى: {وَمِنْ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأنعام:142] فقدم المجرور على المفعول، أو الصفة على الموصوف، لقصد الاهتمام بأمر الأنعام عند ابن عاشور،"لأنها المقصود الأصلي من سياق الكلام و هو إبطال تحريم بعضها، و إبطال جعل نصيب منها للأصنام، وأمّا الحمل و الفرش فذلك امتنان أدمج في المقصود توفيرا للأغراض"و لأن للامتنان أثر في إبطال تحريم بعضها [3] .

كذلك تقديم المفعول"عدوا"على المجرور"لكل نبي"و هو مفعول ثان لجعلنا في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام:112] .للاهتمام بالمفعول الأول لأن الغرض المقصود من السياق"الإعلام بأن هذه سنة الله في أنبيائه كلهم فيحصل بذلك التأسي و القُدوة و التسلية؛ و لأن في تقديمه تنبيها ـ من أوّل السّمع ـ على أنه خبر" [4] .

يقتضي الظاهر ترتيب الحوادث المحكية حسب حدوثها الزمني، لكن قد يخالف هذا الترتيب كما في قوله تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:149] فمقتضى الظاهر أن يتأخر قوله: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} عن قوله {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} [الأعراف:150] لأنه ما سقط في أيديهم إلا بعد رجوع موسى و رؤيتهم لفرط غضبه و توبيخه فخولف مقتضى الترتيب تعجيلًا بذكر عاقبة الندامة لاتخاذهم العجل، موعظة للسامعين، لكي لا يعجلوا في التحول عن سنتهم، حتى يتبينوا عواقب ما هم متحولون إليه [5] .إن هدف القصص القرآني الموعظة و العبرة، و تحقيقًا لذلك علل ابن عاشور مخالفة الترتيب في الآية السابقة.

(1) ـ التحرير: ج 8 ق 2/ 148.

(2) ـ التحرير: ج 8 ق 2/ 188.

(3) ـ التحرير: ج 8 ق 1/ 125.

(4) ـ التحرير: ج 8 ق 1/ 8.

(5) ـ التحرير: ج 9/ 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت