تحملته من مشقة الحمل"، فلولا قصد الإيماء إلى هذه الدلالة لكان التحديد بتسعة أشهر أجدر بالمقام، باعتبار أن مشقة الحمل أشد من مشقة الإرضاع [1] ."
حكّم ابن عاشور المقصد في عدم تحميل الآيات مالا تحتمل، فالتفت إلى أغراض القرآن الكلية، وأغراض الآيات الجزئية، لمنع تحميلها مالا تحتمل، فرد كل تفسير لا يتعلق بغرض القرآن الكلي أو الجزئي للآية المفسرة، وقد شمل ذلك كل آيات القرآن الكريم، فرد من أقوال المفسرين مالا يتفق مع المقصد؛ هَدَف من وراء ذلك عدم تحميل الآيات مالا تحتمل أولًا، و محاولة الوصول إلى المقصد الحقيقي [2] للكلام الإلهي ثانيًا.
تميز تفسير ابن عاشور باعتنائه بفهم أجزاء الخطاب هذا الذي انعكس على دور المقصد في تفسير الحروف والكلمات، وتعيين المناسبة بين الآيات وتوسيع المدلول، وفي التفسير البلاغي فهمًا وتعليلًا.
لذلك أرى أن فكرة المقصد والتقصيد ينبغي أن تكون أساسية وجوهرية في التفسير، والمنطلق الذي يجب أن لا يحيد عنه المفسر، علاوة على ما ينبغي أن يتسلح به من أدوات علمية ومنهجية وموضوعية تمكنه من الكشف عن المعنى والمقصد، ولن يكون مستحيلًا أن نصل إلى معان ومقاصد مشتركة، أما أن نسلم أننا لا نستطيع معرفة المعنى الأصلي المقصود، وبالتالي لا بد من تعدد المعنى، مما ينفي الاجتماع على معنى مشترك فذلك عجز، إن تبرير هذا العجز، بالاستناد إلى عدم قدرتنا على القطع بأن ما فهمناه من القرآن هو المعنى المراد هو تبرير غير صحيح، لأنه ثمة فرق بين الإمكان الوقوع والإمكان العقلي، هذا أولًا فعلى فرض تعذر الاطلاع على تمام المراد فإن ذلك لا يمنع أما ثانيًا ـ استقصاء البحث بحسب الطاقة ومبلغ العلم، وثالثًا ـ الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة حول إمكان الإطلاع على تمام مراد الله تعالى من كلامه، خلاف لا طائل تحته بمقتضى ما ذكر في أولًا. رابعًا ـ تعبدنا الله عز وجل بمعرفة مراده والإطلاع عليه [3] قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [ص:29]
ولايخفى أهمية ذلك للرد على أصحاب القراءات المعاصرة ممن ينادون بضبابية المعنى، مثال ذلك ما ذهبت إليه ألفة يوسف في كتابها تعدد المعنى في القرآن من نفيٍ للدلالة الأصلية والحقيقية للانكماش في ذاتية وفردية تطمس المعنى الأصلي فلا يبقى منه إلا آثاره متجسمة في الكلام، ليؤدي ذلك إلى عدم المعنى. وكأن النص القرآني نص شعري لا نريد منه أحكامًا أو مبادئ أو مقاصد، فتعدد المعنى أحال إلى عدم المعنى، وكأن القرآن أنزل ليكون مادة هلامية يشكله قارئه كما يريد. لعل السبب في كل هذا، ما بدأت به تعليقي هو المنطلق، فإما أن ننطلق من ضرورة الكشف عن تعدد المعنى الأيل إلى اللامعنى أو إلى معان ثانوية وإما أن ننطلق من فكرة الكشف عن المقصد والتقصيد، وإن وصلنا في النهاية إلى معنى متعدد [4] .
(1) ـ التحرير: ج 26/ 30. وانظر أيضًا: التحرير: ج 8 ق 2/ 68.و انظر أيضًا في دور المقصد في نفي التكرار: التحرير: ج 1/ 289.
(2) - يرى ابن عاشور أن الخلاف بين الأشاعرة وبعض المعتزلة (كالسكاكي) من جهة وبين بقية المعتزلة من جهة أخرى في إمكانية معرفة مراد الله من كلامه، خلاف لا طائل من بحثه لأن القصد هو الإمكان الوقوعي لا العقلي"فلا مانع من التكليف باستقصاء البحث عنه بحسب الطاقة ومبلغ العلم مع تعذر الاطلاع على تمامه"التحرير والتنوير: ج 1/ 39.
(3) - انظر التحرير: ج 1/ 39.
(4) - انظر: ألفة يوسف، تعدد المعنى في القرآن، كلية الآداب منوبة، تونس، دار سحر، ط 1، 2003، صـ 405 - 406.