الصفحة 10 من 31

لتحقيق هذه الأهداف يشترط ابن عاشور أن يكون"رائد المفسر في ذلك أن يعرف على الإجمال مقاصد القرآن مما جاء لأجله، و يعرف اصطلاحه في إطلاق الألفاظ، و للتنزيل اصطلاح و عادات" [1] يبدو من هذا الاشتراط أن الأساس الذي ينبغي أن يبنى عليه التفسير هو المقاصد القرآنية، فضلًا عن أنها الهدف الذي يسعى إليه المفسر لأن مراد الله تعالى"من كتابه هو بيان تصاريف ما يرجع إلى حفظ مقاصد الدين و قد أودع ذلك في ألفاظ القرآن التي خاطبنا بها خطابًا بيِّنا و تعبَّدنا بمعرفة مراده و الاطلاع عليه فقال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [ص: 29] " [2] .

لا يكتفي ابن عاشور في المقدمة الرابعة بدعوة المفسر إلى الالتفات إلى المقاصد لتكون فلكه الذي يدور به و من أجله؛ و إنما يعرض هذه المقاصد التي جاء القرآن لبيانها بحسب ما توصل إليه استقراؤه؛ فيحصرها في ثمانية أمور حتى يعلمها الآخذ بهذا الفن [3] .

إذا كانت دعوة المفسر إلى أن يجعل المقصد أساسًا و هدفًا في تفسيره، تكشف عن محورية المقصد [4] عند ابن عاشور، فإن ما أشار إليه في مقدمات تفسيره، و الأسس التي دعا إليها، تعزز هذه الرؤية و تبرهن على صحتها [5] .

نوه ابن عاشور في عديد المناسبات في تفسيره إلى ضرورة التقيد بالغرض الذي سيق لأجله الكلام في فهم المعنى، أساس هذه الإشارات و التنويهات التوجه القرآني إلى تحقيق أغراض ثابتة سواء في جمله، أم في آياته، فكان ابن عاشور مدركًا لهذا الالتزام القرآني، مستندًا عليه في تعليل و تبرير الأسلوب القرآني في مختلف موضوعاته و جوانبه.

بين ابن عاشور مرارًا و تكرارًا أن من عادة القرآن الإعراض عما لا تعلق به بالمقصود، كما في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة:126] عدل عن بيان المشار إليه في قوله: {هَذَا بَلَدًا آمِنًا} اكتفاء عنه بالدعاء في الموضع الذي بنى إبراهيم فيه الكعبة"لأن الغرض ليس تفصيل حالة الدعاء، إنما هو بيان استجابة دعائه وفضيلة محل الدعوة وجعل مكة بلدًا آمنا ورزق أهله من الثمرات، و تلك عادة القرآن في الإعراض عما لا تعلق به بالمقصود، ألا ترى أنه لما جعل البلد مفعولًا ثانيًا استغنى عن بيان اسم الإشارة، و في سورة إبراهيم لما جعل آمنا مفعول ثانيًا بين اسم الإشارة بلفظ البلد، فحصل من الآيتين أن إبراهيم دعا لبلد بأن يكون آمنا" [6] .

(1) ـ التحرير: ج 1/ 42.

(2) ـ التحرير: ج 1/ 39.

(3) ـ التحرير: ج 1/ 39 - 41.

(4) ـ لا أريد الاستعجال في بيان دور المقصد في تفسير ابن عاشور، فذلك آت لاحقا، و لكن يمكن القول مبدئيًا و على ضوء منطوقه في المقدمة الرابعة: ينبغي على المفسر أن يلتفت إلى المقصد، و يجعله الهدف الذي يسعى إلى كشفه و بيانه، و الضابط له من تحميل الآيات ما لا تحتمل.

(5) - جعل من ضوابط التفسير بالرأي الاستناد إلى مقاصد الشريعة و تصاريفه. التحرير: ج 1/ 30. ومن الشروط التي اشترطها ابن عاشور لقبول المعاني التي تتحملها جمل القرآن عدم إفضائها إلى خلاف المقصود من السياق، و أن لا تناف أغراضه، فضلًا عن أن القول باحتمالية المعنى و تعدده يحقق مقصدًا قرآنيًا عند ابن عاشور هو الإعجاز. التحرير: ج 1/ 93.و الوفاء للمعنى دون تحميل أو انتقاص يعد ضابطًا للوصول إلى المقصد، و يعد المقصد ضابطًا للوفاء بالمعنى. يظهر هذا جليًا فيما يعرضه ابن عاشور من طرائق المفسرين في تفسير القرآن، إذ يركز على عدم مجافة المعاني المستنبطة من وراء الظاهر لمقصد القرآن، لذا"لا يلام المفسر إذا أتى بشيء من تفاريع العلوم مما له خدمة للمقاصد القرآنية"و يحاول أن يبرر القول بالتفسير العلمي على ضوء المقاصد. التحرير: ج 1/ 42 - 43. وبين ابن عاشور في المقدمة الثامنة محورية الغرض في ترتيب الآيات بعضها عقب بعض التحرير: ج 1/ 79.

(6) ـ التحرير: ج 1/ 714 يمكن زيادة الإشارة بيانًا بذكر اسم الإشارة للدلالة على أن المشار إليه قصد استحضاره من بعض أوصافه. التحرير: ج 1/ 714.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت