الصفحة 9 من 31

بعض الآيات ببيئة عصر التنزيل ونلتفت إلى مقصدها، ونغض الطرف عن هدف قرآني رئيس ألا وهو عالمية الرسالة وأبديتها، فما هو الميزان الذي يفرض القراءة التاريخية لبعض الآيات؟ وأي موضوعية في تفسير القرآن إذا كان المنطلق الأفكار المسبقة لا معطيات النص؟

وإذا كنا نتكلم عن تحصيل المقاصد في الدراسات القرآنية فلا يلزم من كون غرض المفسر الكشف عن المقاصد أن يترك المقاصد جانبًا دون أن يستثمرها في الكشف عن مقاصد أخرى، ولعل ابن عاشور من أبرز العلماء في العصر الحديث الذين حاولوا أن يؤسسوا لمقاصد قرآنية ابتداء من مقدمة تفسيره إذ عنون مقدمته الرابعة بـ"فيما يحق أن يكون غرض المفسر" [1] ليجعلها ميزانًا للمقدمات السابقة، و أساسًا لصحة و صلاح التفسير، يقول:"كأني بكم و قد مر على أسماعكم ووعت ألبابكم ما قررته من استمداد علم التفسير، و من صحة تفسير القرآن بغير المأثور، و من الإنحاء على من يفسر القرآن بما يدعيه باطنًا ينافى مقصود القرآن، و من التفرقة بين ذلك و بين الإشارات، تتطلعون بعد إلى الإفصاح عن غاية المفسر من التفسير، و عن معرفة المقاصد التي نزل القرآن لبيانها حتى تستبين لكم غاية المفسرين من التفسير على اختلاف طرائقهم، و حتى تعلموا عند مطالعة التفاسير مقادير اتصال ما تشتمل عليه، بالغاية التي يرمي إليها المفسر فتَزِنوا بذلك مقدار ما أوفىَ به من المقصد، و مقدار ما تجاوزه [2] "

أراد ابن عاشور من هذه المقدمة بيان أمرين: الأول: ما ينبغي أن تكون غاية المفسر من تفسيره، و الثاني: معرفة المقاصد التي نزل القرآن لبيانها.

يهدف ابن عاشور من بيان هذين الأمرين معرفة مدى إيفاء المفسر للمقاصد القرآنية التي ينبغي أن تكون غايته لأنه ينبغي أن يكون غرض المفسر من تفسيره"بيان ما يصل إليه أو ما يقصده من مراد الله تعالى في كتابه بأتم بيان، يحتمله المعنى و لا يأباه اللفظ من كل ما يوضح المراد من مقاصد القرآن، أو ما يتوقف عليه فهمه أكمل فهم، أو يخدم المقصد تفصيلًا و تفريعًا، كما أشرنا إليه في المقدمة الأولى [3] ، مع إقامة الحجة على ذلك إن كان به خفاء، أو لتوقع مكابرة من معاند أو جاهل" [4]

يتضح من كلام ابن عاشور أن المقصد ينبغي أن يكون محورًا لتفسيره، و أساسًا يقوم عليه بناؤه، وهدفًا يسعى إليه من أجل تحقيقه و بيانه.

تتجلى هذه المحورية للمقصد من كلام ابن عاشور السابق في نقاط ثلاث هي:

1.بيان و توضيح المراد من مقاصد القرآن بأتم بيان يحتمله المعنى و لا يأبه اللفظ.

2.بيان ما يتوقف عليه فهم المقصد.

3.بيان ما يخدم المقصد تفصيلًا و تفريعًا مع إقامة الحجة.

(1) ـ يتميز ابن عاشور عن غيره من المفسرين بهذه المقدمة، و التي يمكن اعتبارها واسطة العقد بالنسبة إلى المقدمات الأخرى، هذا إذا اعتبرنا أن المقدمة العاشرة تتضمن مقصدًا قرآنيًا عند ابن عاشور يتمثل بالإعجاز، إضافة إلى المقدمة السابعة التي بين فيها الغرض الأصلي من ذكر القصص في القرآن الكريم.

(2) ـ التحرير ج 1/ 38.

(3) ـ انظر: التحرير: ج 1/ص 11 - 12 - 13.

(4) ـ التحرير: ج 1/ 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت