القضاء، بإبقاء القضية في إطارها العائلي الواسع، فغاية الشارع ومقصده أن يسود الوفاق بين الزوجين كي لا تنفصم الحياة الزوجية، ولا ينقلب الزواج إلى حالة اغتصاب بالإهانة والضرب [1] .
حاولت أن أعرض قراءة الطالبي المقاصدي لقضية ضرب المرأة باختصار لتجلية النقاط الأساسية في قراءته، فهو يحرص على عدم تجاوز الحكم إلا بالنص، وإن نزَّله في بيئة عصر التنزيل، لأنه كما عبر عن نفسه بأن منطلقه إيماني، لا كما يدعي الكثيرون.
لكن أثر العقلية الحديثة وتغير الأوضاع هو الذي فرض هذه القراءة، و يَرد عليها أنه طالما مقصد الآية هو إصلاح العلاقة بين الزوجين دون الوصول إلى القضاء أو الطلاق فإن المجتمعات لا تخلو من نساء لا يعدون ضرب الأزواج مهانة وذلًا بل إصلاحًا وتقويمًا، فيبدو لي أنه يمكن النظر إلى هذه المسألة من جهة مختلفة وضمن تفسير ابن عاشور السابق.
ينبغي ملاحظة التسلسل في الآية بذكر العظة أولًا ثم الهجر ثم الضرب وإن كانت الواو العاطفة لا تدل عليه فإنه منطقيًا هو المفروض، دل عليه مقصود الكلام وسياقه هذا أولًا [2] .
أما ثانيًا فملاحظة المقصد من هذه الوسائل، وثالثًا إن سبب المشكلة هو نشوز الزوجة بعكس إذا كان الزوج هو السبب فهناك وسائل للإصلاح يمكن أن تفرضها الزوجة.
نجد بملاحظة التسلسل مراعاة للطبيعة النفسية للإنسان ومستواه الاجتماعي، فالعظة ليست في حقيقتها إلا القول الحسن الهادف إلى إصلاح الأحوال، ولا أراه إلا ممثلًا للحوار البناء، فإذا لم يجدي نفعًا انتقل إلى الوسيلة الثانية، وكلتا الوسيلتين لا بد أن يفضيا إلى حل المشكلة بين الزوجين ورجوع الزوجة عن نشوزها إذا كان الزوجان قد ربيا على حل الخلافات بالحوار والتفاهم، ولن يحتاجا إلى الانتقال إلى وسيلة الثالثة"الضرب"حتى ولو بقي الخلاف بينهما، لأنه ليس الأمر بالضرب واجبًا و إنما هو أمر إباحة، المباح قد يختلف نفعه وضره من إنسان إلى آخر، فإذا كان الزوج من خيار الناس فلن يلجأ إلى الضرب، وإنما يلجأ إلى الضرب من رُبي عليه وأعتقد أنه هو الحل في نهاية المطاف، لذلك أرى أن رأي ابن عاشور أكثر وجاهة في ربطه بطبقات الناس، لأننا أمام أمر واقع في جميع المجتمعات. إما انفصام العلاقة الزوجية، وإما إصلاحها، بالضرب عند من يراه علاجًا، وضمن حدوده، مع الجواز للحاكم أن يمنعه، خاصة عندما يفضي إلى ضرر.
إذا فسرت الآية على هذا النحو فإننا بذلك نمنع مشكلة أكبر من مشكلة الضرب، مشكلة تشقق الأسرة وضياعها. لأن المشكلة الحقيقة هي في المجتمع، وكيفية تنشئة الجيل الجديد وتعليمه الطرق الصحيحة والسليمة لحل المشاكل، وخاصة الفتاة التي ينبغي أن تُنَشّأ على كراهية الضرب ونبذه، ورؤيتها له إهانة ومذلة، عندما سيكون الزوج من خيار الناس، لا يجد في الضرب حلًا ولا علاجًا، وستكون الزوجة دافعة زوجها عن ذلك الخيار إلى التفاهم والحوار.
ما أردت قوله إن حل مشكلة ضرب الزوجة ليس في ربط هذه الوسيلة ببيئة عصر التنزيل، وإنما يكمن الحل في التربية الصحيحة والسليمة للجيل الصاعد، إذ بها سيطبق قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولن يضرب خياركم) [3]
(1) ـ ن. م، صـ 134 - 137.
(2) ـ انظر: م. س، ج 1/ 496.
(3) ـ ابن أبي شيبة، مصنف ابن أبي شيبة، تحقيق: كمال الحوت، مكتبة الرشد، الرياض،1409 هـ، ط 1،رقم 25458،ج 5/ 223.