فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 35

بعض التابعين أنهم لا يرون بأسًا في قبض الدراهم مكان الدنانير، وبالعكس، في جميع العقود الآجلة بما فيها القرض) [1] .

قال ابن قدامة معلقًا على حديث ابن عمر: (ولأن هذا جرى مجرى القضاء، فقيد بالمثل كما قضاء من الجنس، والتماثل ههنا من حيث القيمة لتعذر التماثل من حيث الصورة) [2] .

ثم إن هذه المسألة ليست بدعًا في الأمر، ولا هي في المسائل التي لا نجد فيها نصًا لفقهائنا السابقين في أشباهها، بل نجد لها مثيلات كثيرة في فقهنا الاسلامي نذكر بعضها هنا:

يقول الإمام الرافعي:(وإذا أتلف حليًا وزنه عشرة، وقيمته عشرون، فقد نقل أصحابنا وجهين فيما يلزمه:

أحدهما: أنه يضمن العين بوزنها من جنسها، والصنعة بقيمتها من غير جنسها سواء كان ذلك نقد البلد، أو لم يكن، لأن لو ضمنا الكل بالجنس لقابلنا عشرة بعشرين وذلك ربا.

وأصحهما عندهم: أنه يضمن الجميع بنقد البلد، وإن كان من جنسه) [3] .

ونجد أمثلة كثيرة في كل المذاهب الفقهية في باب ضمان المتلفات ـ كما سبق ـ ونجد كذلك في باب العقود عند مالك، حيث أجاز أن يعطي الإنسان مثقالًا وزيادة في مقابل دينار مضروب، وكذلك أجاز بدل الدينار الناقص بالوزن، أو بالدينارين، وروي مثل ذلك عن معاوية رضي الله عنه، يقول ابن رشد: (وأجمع الجمهور على أن مسكوكه، وتبره، ومصوغه سواء في منع بيع بعضه ببعض متفاضلًا، لعموم الأحاديث المتقدمة في ذلك إلاّ معاوية فإنه كان يجيز التفاضل بين التبر، والمصوغ، لمكان زيادة الصياغة، وإلاّ ما روي عن مالك أنه سئل عن الرجل يأتي دار الضرب بورقه فيعطيهم أجرة الضرب، ويأخذ منهم دنانير ودراهم وزن ورقه، وأو دراهمه، فقال: إذا كان ذلك لضرورة خروج الرفقة ونحو ذلك، فأرجو ألا يكون فيه بأس، وبه قال ابن القاسم من أصحابه) [4] .

والمقصود بهذا النص أن الزيادة ما دام لها مقابل، لا تعتبر ربا، لأن الربا هو (الفضل المستحق لأحد العاقدين في المعاوضة الخالي عن عوض شرط فيه) [5] .

الاعتراض الثاني:

إن القول برعاية القيمة يؤدي إلى تحطيم النقود كنقد، وبالتالي تترتب عليه مشاكل لا عدّ له ولا حصر؟

الجواب عن ذلك: أننا لا نسلم أن ذلك يؤدي إلى تحطيم النقود، وإنما يؤدي إلى أن يكون دورها بحيث لا تؤدي جميع وظائفها الأربع المعروفة وهذا لا يضر، حيث اعترف كثير من الاقتصاديين بأن نقودنا لا تؤدي هذه الوظائف جميعها، أو لا تؤديها على شكل مقبول، كما أنهم الآن وسعوا مفهوم النقد، ليشمل انواعًا كثيرة لا يؤدي بعضها إلاّ وظيفة واحدة ـ كما سبق ـ مع أن ذلك لا يتعارض مع نقديتها، وسبق أن الفقهاء الذين قالوا بان الفلوس ثمن، ومع ذلك لم يثبتوا لها جميع الأحكام الخاصة بالذهب، أو الفضة.

(1) سنن النسائي (7/ 282 - 283)

(2) المغني (4/ 55)

(3) فتح العزيز (11/ 279 - 280) والروضة (5/ 23)

(4) بداية المجتهد (2/ 196)

(5) فتح القدير (7/ 8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت