تسري في أعماق المسلم عندما يتلوا هذه الآية الكريمة، التي تبدأ بتقرير النصر للذين ظلموا، وأن الله على هذا العد بالنصر لقدير، وتنتهي إذا انتهت بتقرير القاعدة الكلية في أن الله تعالى ينصر من ينصره، وينصر من انحاز إلى صف المؤمنين، وسلك دربهم، وان الله تعالى هو القوي العزيز.
يأتي هذا الوعد بالنصر أولا، ثم يأتي تعقيبا، يأتي ذلك كله بعد أن قرر الله تعالى بداية انه سبحانه يدافع عن الذين آمنوا، لتصب جميعها السكون والطمأنينة في قلب المؤمن فلا ترهبه قوة ولا يقف أمام نوره حاجز.
يقول سيد قطب رحمه الله تعالى:"إن قوى الشر والضلال تعمل في هذه الأرض، والمعركة مستمرة بين الخير والشر والهدى والضلال؛ والصراع قائم بين قوى الإيمان وقوى الطغيان منذ أن خلق الله الإنسان."
ثم يقول: وقبل أن يأذن لهم بالانطلاق إلى المعركة آذنهم أنه هو سيتولى الدفاع عنهم فهم في حمايته.
والصوامع أماكن العبادة المنعزلة للرهبان، والبيع للنصارى عامة وهي أوسع من الصوامع، والصلوات أماكن العبادة لليهود، والمساجد أماكن العبادة للمسلمين، وهي كلها معرضة للهدم على قداستها وتخصيصها لعبادة الله لا يشفع لها في نظر الباطل أن اسم الله يذكر فيها، ولا يحميها إلا دفع الله الناس بعضهم ببعض. أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها، ويعتدون على أهلها. فالباطل متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول" [1] ."
ويجيب سيد قطب رحمه الله تعالى عن الحكمة من تقرير الجهاد طالما أن الله تعالى ضمن انه يدافع عن المؤمنين، وانه لا محالة ناصرهم، فيقول:"والجواب أن حكمة الله في هذا هي العليا، وأن لله الحجة البالغة ... والذي ندركه نحن البشر من تلك الحكمة ويظهر لعقولنا ومداركنا من تجاربنا ومعارفنا أن الله سبحانه لم يرد أن يكون حملة دعوته وحماتها من «التنابلة» الكسالى، الذين يجلسون في استرخاء، ثم يتنزل عليهم نصره سهلًا هينًا بلا عناء، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة."
لقد شاء الله تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة. فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر؛ وهي تدفع وتدافع، وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة، عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد لتؤدي دورها؛ ولتتساند مع الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة؛ ولتؤتي أقصى ما تملكه، وتبذل آخر ما تنطوي عليه؛ وتصل إلى أكمل ما هو مقدور لها وما هي مهيأة له من الكمال.
(1) انظر: سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، ج 5، ص 198.