فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 33

والأمة التي تقوم على دعوة الله في حاجة إلى استيقاظ كل خلاياها، واحتشاد كل قواها، وتوفر كل استعدادها، وتجمع كل طاقاتها، كي يتم نموها، ويكمل نضجها، وتتهيأ بذلك لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها" [1] ."

وفي هذا أيضا إجابة عن التدافع القائم بين الحق والخير من جهة، وبين الباطل والشر من جهة ثانية، فالمطلوب من الجانب الخيّر أن لا يراهن على إيمان بلا عمل، وان النصر في تدافعه محكوم بتيجته لصالحه دون غيره، دون أن يبذل الأسباب، ويقدم كامل الاستحقاقات ليكون مؤهلا لتنزل الحسم في هذا التدافع لصالحه.

ثم أن الإمام الرازي يذكر أن"عادة الله جل جلاله أن يحفظ دينه بهذا الأمر، ويقصد التدافع" [2] .

وفي بحر العلوم:"أنه لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض بالجهاد و إقامة الحدود وكف الظلم؛ ودفع المشركين بالمؤمنين، لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين" [3] .

ودفع الله بعض الناس ببعض، يكون"بإظهاره وتسليطه المسلمين منهم على الكافرين بالمجاهدة، ولولا ذلك لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم، وعلى متعبداتهم فهدموها، ولم يتركوا للنصارى بيعًا، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود صلوات، ولا للمسلمين مساجد" [4] .

إن أصحاب الحق ودعاة الخير مطالبون بان يمتلكوا أدوات التدافع التي تضمن لهم أن يديروا دفة الصراع لصالحهم، دون الاعتماد على الكلام المفرغ عن العمل وبذل الجهد.

ويعلق الإمام أبو السعود في تفسيره على وعد الله تعالى بنصر المؤمنين، فيقول:"وعد لهم بالنصر وتأكيد لما مر من العدة الكريمة بالدفعِ، وتصريح بأن المراد به ليس مجرد تخليصهم من أيدي المشركين بل تغليبهم وإظهارهم عليهم. والإخبار بقُدرته تعالى على نصرِهم وارد على سننِ الكبرياء وتأكيده بكلمة التَّحقيقِ واللامِ لمزيد تحقيقِ مضمونِه وزيادة توطينِ نفوسِ المؤمنين" [5] .

وهذا التدافع ضمن سنة الله تعالى يدفع الله به الأذى والخراب عن كل مظاهر الخير، من صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، يقول الشوكاني في تعليقه على هذه الآية:"والمعنى: لولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض، وقيل: المعنى: لولا هذا الدفع لهدّمت في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد المساجد. قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية" [6] .

ولابن الجوزي رحمه الله تعالى في معنى الكلام قولان، أحدهما: أن معناه:"لولا أن الله يدفع بمن أطاعه عمن عصاه، كما دفع عن"

(1) المرجع السابق، ج 5، ص 199.

(2) انظر: الرازي، مفاتيح الغيب، مصدر سابق، ج 11، ص 126.

(3) انظر: السمرقندي، بحر العلوم، ج 3، ص 163.

(4) انظر: الزمخشري، تفسير الكشاف، مصدر سابق، ج 4، ص 295.

(5) انظر: أبو السعود، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، نسخة دار الفكر، ط 1، 2001 م، ج 4، ص 486.

(6) انظر: الشوكاني، فتح القدير، مصدر سابق، ج 5، ص 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت