فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 30

الفصل الثاني

المعايير الشرعية والاقتصادية للتمويل في الإسلام:

لقد بين الإسلام كل ما هو حرام بالنصوص الشرعية وترك ما سواه ضمن دائرة الحلال، حيث أن دائرة الحلال هي الأوسع والأرحب، إذ الأصل في الأشياء الإباحة، أما دائرة الحرام فهي الأضيق، ولذا لم ينص الإسلام على أنواع الكسب المشروع، وإنما نص على المحرم منه، وجاء هذا التحريم دفعًا لضرر أو درءًا لظلم أو وقاية من مفسدة أو حماية من مضرة.

ولقد حث الإسلام على توجيه التمويل نحو الاستثمار وتنمية الثروة، وكان ترغيبه في ذلك إما مباشرة من خلال الآيات والأحاديث التي تدعو للكسب والعمل في حفظ المال وتكثيره، أو من خلال الدعوة للإنفاق والبذل فيما يتعدى نفعه للآخرين، فالإنفاق لا يتاح إلا من خلال اقتناء المال وتنميته، ومن ثم الإنفاق على النفس والعيال أو على المحتاجين في المجتمع، وقد قرن الله عز وجل الضرب في الأرض بهدف الكسب والتجارة والاستثمار بالجهاد في سبيل الله كما في آخر سورة المزمل، وهناك الكثير من الأدلة التي توجه وتشجع الاستثمار في النظام الاقتصادي الإسلامي، وقد شرع الإسلام عقودًا تفتح آفاقًا لتمويل الاستثمار أمام المسلم وتغنيه عما هو حرام ومضر له ولمجتمعه، وجعل لها ضوابط تقيها الانحراف، ومن أمثلة هذه العقود المضاربة والمشاركة وبيع المرابحة وبيع السلم والاستصناع وغيرها.

ولذلك نظم الإسلام اكتساب المال وكيفية استثماره ودورانه في المجتمع، ومن ثم اشترط على الممولين والمستثمرين أن يلتزموا في تنمية أموالهم وسائل لا ينشأ عنها الأذى للآخرين، ويكون من جرائها تعويق أو تعطيل جريان الأرزاق بين العباد، وكتب عليهم الطهارة في النية والعمل، والنظافة في الوسيلة والغاية، وفرض عليهم قيودًا في تنمية المال لا تجعلهم يسلكون إليها سبلًا تؤذي ضمير الفرد وخلقه أو تؤذي حياة الجماعة وكيانها. فيحظر على كل فرد أو مؤسسة أن يمول مشروعًا استثماريًا تتعارض أهدافه مع أهداف الإسلام ومثله الأخلاقية وقيمه الروحية كالربا والغش والاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل وكل عقد فيه غرر.

ولم يكتفي الإسلام بأن يكون المشروع الاستثماري الممول مقبولًا إسلاميًا، وأن تكون مدخلاته ومخرجاته من سلع وخدمات حلالًا، وأن تكون معاملاته المالية والتجارية حلالًا، بل يجب أيضًا أن يكون هذا المشروع الذي يجري تمويله ملتزمًا بسلم الأولويات السلعية والخدمية الإسلامية.

وهذا يعني أن منهج التمويل والاستثمار في الإسلام لا ينفصل عن عقيدة المسلم ولا عن الفكر الإسلامي، حيث أن العقيدة الإسلامية هي المهيمنة في الفكر الاقتصادي الإسلامي وفي منهج التمويل والاستثمار وأدواته ووسائله وآلياته.

والإسلام حينما وضع بعض المعايير للتمويل والتي يعتقد البعض أنها تقيد حريته الاقتصادية لم يضعها نتيجة الأخطاء أو المساوئ أو العيوب التي أسفرت عنها التجربة وكشف عنها الواقع العملي، ولكنه وضع هذه المعايير في ذات الوقت الذي أقر فيه الحرية الاقتصادية، أي أن الحرية الاقتصادية في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت