يتميز المشروع الذي يتم تمويله إسلاميًا بتعدد أغراضه فهو ليس مجرد أداة لرفع المستوى المادي للمعيشة، بل هو أيضًا وسيلة من أجل المحافظة على حياة الإنسان وقيمه، ومن أجل تحقيق الرفاهية والحياة الكريمة له، ومن ذلك الإسهام في المشروعات الزراعية والتصنيع الحربي، والصناعات الأساسية و الخدمات الضرورية للحياة [1] .
والمقصود بالإنتاج هنا إيجاد المنفعة أو زيادتها، أي أنه جهد بشري يترتب عليه جعل المورد صالحًا أو أكثر صلاحية لإشباع حاجة الإنسان، وقد يتمثل هذا الجهد في تحوير وتغيير شكل الموارد، كما قد يتمثل في تخزين الشيء أو نقله، وأيضًا يتمثل في قيام شخص بتقديم خدمة لشخص آخر كالتعليم والنقل والعلاج [2] ، وكل ذلك يعد من الاستثمار المنتج الذي يفيد الآخرين مع استفادة الممول أو صاحب المشروع.
ويترتب على ذلك أن يكون المنتج نافعًا أو أكثر نفعًا ماديًا أو معنويًا، وفي هذا إشارة إلى أن الجهد البشري إذا لم يحقق ذلك لا يسمى إنتاجًا، مما يفيد أنه جهد واعٍ منظم، وليس مجرد حركة عشوائية ارتجالية.
ومن حيث أن الجهد المبذول لاستخدام مصادر التمويل واستثمارها هو بمثابة إصلاح لتلك الأموال فإن الأمام الغزالي رحمه الله يعبر عنه بتعبير دقيق في أنه إصلاح الأموال، أي جعلها صالحة للإشباع فيقول: اعلم أن هؤلاء الصناع المصلحين للأطعمة وغيرها، ويقول: والطحان يصلح الحب بالطحن، والحراث يصلحه بالحصاد، والحداد يصلح آلات الحراثة، والنجار يصلح آلات الحداد، وكذا جميع صناعات المصلحين لآلات الأطعمة [3] .
ولذلك إذا أخذنا المعاملات التي يمنع الإسلام أن يتعامل بها الناس، نجد أن المعنى الذي يعمل الإسلام على وجوده من خلال منع وتحريم هذه الأشكال وأمثالها في المعاملات هو: أن هذه المعاملات ليست أعمالًا منتجة اقتصاديًا، حتى أن الاقتصاديين أنفسهم لا يعتبرون الاحتكار - كأحد أشكال المعاملات المحرمة شرعًا - عملًا منتجًا، ولذلك لا يحق للمحتكر الحصول على دخل، لأنه لم يؤد للمجتمع أي نشاط منتج، وكذلك الغاش والراشي [4] .
ويعني هذا أن الإسلام يلزم ويوجه التمويل إلى الاستثمار في نشاط اقتصادي منتج، فإذا مارس أي شخص مثل هذه المعاملات الممنوعة والمحرمة شرعًا فإن الدخل الذي يحصل عليه يكون دخلًا حرامًا ويكون هو آثمًا، وبجانب هذه العقوبة يكون على ولي الأمر منعه ومعاقبته.
(1) - شوقي أحمد دنيا، النظرية الاقتصادية من منظور إسلامي، مكتبة الخريجي، الرياض، 1404 هـ/1984 م، ص:106
(2) - نفس المرجع السابق، ص: 106.
(3) - محمد بن محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، الجزء الرابع، مكتبة الإيمان للنشر والتوزيع، المنصورة، 1417 هـ/1996 م ص:164.
(4) - رفعت السيد العوضي، منهج الادخار والاستثمار في الاقتصاد الإسلامي، مرجع سبق ذكره، ص:171.