فالربح إذًا يعتبر من المعايير المهمة في تمويل المشروعات الاستثمارية، لأنه ليس من المعقول أن ينشأ مشروع ويحقق خسائر، إلا إذا كان هذا المشروع متبنى من قبل الدولة حيث تقوم بسد العجز الناتج عن الخسائر مع أن هذا يشكل ضريبة خفية على المسلمين الذين يدفعون الضرائب لمصلحة المستفيدين من منافع المشروع، وذلك يتماشى مع الاتجاه والقناعة السائدة اليوم بأن المصارف الإسلامية ليست مؤسسات خيرية لتقديم الأموال لمن شاء وكيفما شاء، إنها مؤسسات تسعى للربحية وتحقيق العائد الاقتصادي المرضي ولكن وفقًا لقواعد الحل والتحريم التي تفرضها أحكام الشريعة الإسلامية [1] .
المقصود برأس المال هنا أنه الثروة المنتجة في الماضي والتي تستخدم في عمليات الإنتاج المختلفة لتوفير السلع والخدمات التي تحقق إشباع الحاجات الإنسانية. فهو يضم كل السلع الرأسمالية من أدوات وآلات الإنتاج والمصانع التي تدخل ضمن العملية الاستثمارية، وبذلك يعتبر عاملًا مساعدًا وهامًا في تقدم المجتمعات البشرية.
والتشغيل الكامل لرأس المال في هذا الصدد يعني أن يوجه رأس المال إلى الإنتاج، وأن يوضع في خدمة المجتمع جميع وحدات رأس المال، بحيث لا تكون أية وحدة من وحدات رأس المال عاطلة [2] ، أي لا تعمل في دائرة النشاط الاقتصادي المشروع.
ولهذا يقول الله عز وجل {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذابٍ أليم} [3] ، وهنا تدل الآية على أن المكتنز آثم، وقرنه الله عز وجل بالذي يصد عن سبيل الله، ولذا حرم الإسلام الاكتناز ودعا الناس إلى التحرر من عبودية الدينار والدرهم، لأن في الاكتناز تعطيلًا للنقود وحبسًا لها عن الدخول في المجالات الاستثمارية، وما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية متعددة.
فالاكتناز له علاقة بالتشغيل الكامل لرأس المال، حيث أن الاكتناز هو جزء الادخار الذي لم يوجه إلى الاستثمار [4] ، وذلك لأنه في حالة كنز النقود وتعطيلها فإن ذلك يعني نقص في كميات وسائل الدفع والتمويل، وبالتالي وجود فجوة بين الطلب والعرض الكلي من السلع والخدمات، مع عدم وجود قدرة على تصريفها، فيصاب النشاط الاقتصادي بحالة من الانكماش، فتقوم الدولة بطرح كميات من النقود لعلاج المشكلة فترتفع الأسعار نتيجة لزيادة كمية النقود عن كمية السلع والخدمات المعروضة، وهو ما يعرف في الاصطلاح الاقتصادي بالتضخم الذي يعني في أبسط معانيه وجود كمية من النقود تطارد
(1) - أحمد محمد السعد، محاضرات غير منشورة في العقود والتمويل والائتمان في الإسلام ألقيت على طلاب الدكتوراه، الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية، عمان، 2007.
(2) - رفعت السيد العوضي، في الاقتصاد الإسلامي، المرتكزات- التوزيع والاستثمار- النظام المالي، منشورات رئاسة المحاكم بدولة قطر، الدوحة، 1410 هـ، ص: 98.
(3) - سورة التوبة، الآية 34.
(4) - رفعت السيد العوضي، منهج الادخار والاستثمار في الاقتصاد الإسلامي، منشورات الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، القاهرة، تاريخ النشر غي مبين، ص:165.