فالسعي وراء تحقيق الربح، مع مراعاة تحقيق المصالح العامة من شأنه أن يعزز المصالح المشتركة، ومن ذلك رفاهية الفقراء والتي يجب أن يكون لها الاعتبار الأول في المجتمع المسلم، حيث أن الإسلام لا يشترط تلبية احتياجات كل فرد فحسب، بل يؤكد أيضًا على التوزيع العادل للدخل والثروة {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [1] .
وبذا يمكن القول وبشكل جازم و قاطع أنه لو تم إصلاح هيكل النمط السلوكي والاقتصادي وفقًا للتعاليم الإسلامية، فإنه لا يمكن أن توجد حالات متطرفة من عدم المساواة في الدخل والثروة في مجتمع مسلم.
من المعلوم في دين الإسلام أن جزاء الأعمال يرتبط بأثرها ليس فقط في حياة الإنسان بل بعد موته إلى يوم القيامة. لذلك فإن الأفق الزمني الذي يشمله اهتمام المؤمن باليوم الآخر أوسع مدى من الأفق الزمني للكافر، وفي الحديث الصحيح:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" [2] .
ويؤكد هذا المعنى العام ما أشاد به القرآن الكريم من تعاطف أجيال المؤمنين وتراحمها عبر الزمان: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [3] . وقد استند الخليفة عمر رضي الله عنه إلى هذه الآية في عدم تقسيم أراضي العراق على الفاتحين بل فرض الخراج عليها لمصلحة أجيال المسلمين المتعاقبة، وقال لمن خالفه"تريدون أن يأتي آخر الناس ليس لهم شيء فما لمن بعدكم؟"، وكان ممن رأى مثل رأي سيدنا عمر أيضًا سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومعاذ بن جبل رضي الله عنه الذي قال له:"إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي هؤلاء القوم ثم يبيدون فيصير ذلك إلى أبناءهم من بعدهم، فما لقوم يسدون من الإسلام مسدًا وهم لا يجدون شيئًا، فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم".
فواضح مما سبق أن تقويم المشروع إسلاميًا يجب أن يحتسب فيه آثاره على مصالح الأحياء من بعدنا مهما بعدوا، لكن الأقربين أولى بالمعروف، ولعل هذه القاعدة تبرز إعطاء أهمية متناقصة مع الزمن لمنافع المشروع المتولدة لمن يأتي بعدنا.
ولذلك فإن اختيار وتقويم المشروعات المراد تمويلها في إطار إسلامي يتلافى المشكلة من أساسها، لأنه لا يعتمد القيمة الحالية الصافية بأسعار السوق كمعيار وحيد- حيث أن معيار القيمة الحالية يركز
(1) - سورة الحشر، الآية 7.
(2) - رواه مسلم وأبو داوود وغيرهما، المنذري، مختصر صحيح مسلم، الجزء الأول، ص: 264.
(3) - سورة الحشر، الآية 10.