إن حكمة التشريع الإسلامي في مجال التمويل تتضح من خلال معرفة وظيفة التمويل في النشاط الاقتصادي، وبدون ذلك سيكون من الصعب إدراك حقيقة التمويل الإسلامي وأهدافه، وسمو الشريعة الإسلامية في تنظيمه على النحو الذي جاءت به.
فالهدف من التمويل أساسًا هو تسهيل المبادلات والأنشطة الحقيقية. فالنشاط الحقيقي وهو التبادل إما بغرض الاستثمار أو الاستهلاك هو عماد النشاط الاقتصادي، وهو الخطوة الأولى نحو تنمية الثروة وتحقيق الرفاهية لأفراد المجتمع. فلو كان الأفراد يملكون المال اللازم لإتمام هذه الأنشطة لما كان هناك مبرر للتمويل. وإنما تنشأ الحاجة للتمويل إذا وجدت مبادلة نافعة لكنها متوقفة بسبب غياب المال اللازم لإتمامها. فالتمويل في هذه الحالة يحقق قيمة مضافة للاقتصاد لأنه يسمح بإتمام نشاط حقيقي نافع لم يكن من الممكن إتمامه لولا وجود التمويل.
وقد يتراءى للكثيرين أن وظيفة التمويل الإسلامي تتماثل تمامًا مع وظيفة التمويل التقليدي الربوي الذي تقدمه المؤسسات المالية العاملة في الاقتصاديات المعاصرة. ولذلك فإن هذا البحث يلقي الضوء على مجموعة المعايير الشرعية والاقتصادية الحاكمة لصيغ وأساليب التمويل ليبرهن أن الشريعة الإسلامية الغراء قد نظمت هذا الجانب الاقتصادي المهم في حياة الدول والمجتمعات والأفراد مما يؤكد على سمو هذه الشريعة من ناحية، وليؤكد على الوظيفة المهمة التي يحظى بها التمويل في النشاط الاقتصادي المتمثلة أساسًا في تسهيل وتشجيع المبادلات والأنشطة الحقيقية التي تولد القيمة المضافة للنشاط الاقتصادي، وهذا هو مصدر تنمية الثروة وتحقيق الرفاه الاقتصادي.
وبناءً على هذا الأساس أستطاع البحث أن يخلص إلى نتيجة غاية في الأهمية مفادها أن جميع أساليب التمويل في الشريعة الإسلامية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالنشاط الحقيقي. فالبيع الآجل والسلم والإجارة والمشاركة والمضاربة، وغيرها من الصيغ الإسلامية جميعها تتضمن التمويل بصورة لا تنفك عن النشاط الحقيقي. وهذا يتفق مع طبيعة التمويل ووظيفته التي سبقت الإشارة إليها. فلما كان التمويل خادمًا وتابعًا للنشاط والمبادلات الحقيقية، كان التمويل في العقود الإسلامية تابعًا للبيوع والعقود الحقيقية. ولهذا ليس في الشريعة الإسلامية عقد يتمخض للتمويل المجرد بقصد الربح، لأن هذا ينافي طبيعة التمويل ووظيفته الاقتصادية.