فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 30

الاهتمام على الجيل الحاضر ولا يقيم إلا وزنًا تافهًا لآثار المشروع على الأجيال القادمة- بل يوجب النظر إلى المسألة أيضًا من زاوية أخلاقية وإنسانية تأخذ مصالح الأحياء من بعدنا في الاعتبار [1] .

من المعروف أن الكثير من الصناعات الحديثة كالكيماويات والأسمنت وغيرها تنتج عنها آثار ضارة ممثلة في تلوث البيئة والإضرار بالطيبات الحرة، وهو أمر تنبه له المفكرون المسلمون الأوائل قبل أن يستفحل خطره بالصورة الموجودة حاليًا ووضعوا القواعد والإجراءات المنظمة لتجنب آثار ذلك في كتب الحسبة وأبواب المرافق بكتب الفقه.

والرأي الفقهي في هذه المسألة هو منع حدوث هذه الأضرار للبيئة تطبيقًا للقاعدة الأصولية التي تقضي بدفع المضار، وذلك عملًا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا ضرر ولا ضرار" [2] ، وجاء في تفسيره أن الضرر ما قصد به الإنسان منفعة نفسه وكان فيه ضرر على غيره، وأن الضرار ما قصد به الإضرار لغيره، وبعد أن ذكر المفسر للحديث هذا المعنى أورد صورًا من الأضرار -تلوث البيئة- بالصناعات المختلفة، مثل الدباغ يؤذي جيرانه بنتن دباغه، والرحى التي ينال منها الجيران أمران: أحدهما إفساد الجدران، والثاني صوتها، ثم يعطي القاعدة في حكم ذلك بقوله وهو من الضرر الكبير المستدام ما كان بهذه الصفة منع إحداثه على من يستقر به [3] .

وقد وضع الفقهاء مجموعة من القواعد الفقهية التي تعالج ذلك و ذلك من خلال إبعاد هذه الأعمال عن تجمع السكان، فمثلًا يجب على المحتسب أن يتخذ لبياعي الحوت (السمك) مكانًا يكون فيه سوقهم بمعزل عن الطرق لما اعتادوه من الرائحة [4] ، وفي صناعة مواد البناء جاء: ويجب أن تصنع التراميد والآجر خارج أبواب المدينة، وتكون مواضعها بالخفير الذي يخطى بالمدينة [5] .

ولذلك ينبغي معرفة أثر المشروع الاستثماري المراد تمويله على الظروف والأحوال البيئية المادية باعتبار أن تحسين الظروف والأحوال البيئية المادية من أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي، إذ يجب دراسة أثر المشروع على البيئة المحيطة به سواء من ناحية التلوث أو الضوضاء و الازدحام.

وجملة القول أنه لا يجوز من ناحية شرعية إحداث تلوث البيئة أو الضوضاء دون عمل الترتيبات اللازمة لمنع هذه الآثار الضارة، وفي مقدمة هذه الترتيبات إدخال تكلفة تنقية الجو وتحسين البيئة المادية في حسابات تكلفة المشروع المراد تمويله، حيث أن المسؤولية تقع على عاتق الممول و المستثمر المسلم

(1) - محمد أنس الزرقا، القيم والمعايير الإسلامية في تقويم المشروعات، المسلم المعاصر، العدد 31، 1402 هـ/1982 م، ص: 94 - 96.

(2) - رواه ابن ماجه و الدارقطني، المستدرك للحاكم، الجزء الثاني، ص: 66.

(3) - سليمان بن خلف بن سعد الباجي، المنتقى في شرح موطأ الإمام مالك، الجزء 6، ص:40 - 41.

(4) - ابن عبدون، ثلاث رسائل أندلسية في آداب الحسبة والمحتسب، د. ط، المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية، القاهرة، 1955.، ص:90.

(5) - نفس المرجع السابق، ص: 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت