الغرر لغة الخطر والخديعة، وفي الاصطلاح الفقهي الغرر ما يكون مستور العاقبة. [1] وهو ما تردد بين أمرين ليس أحدهما أظهر. [2] والغرر ينفي عن الشئ- كما قال ابن رشد- أن يكون معلوم الوجود معلوم القدر مقدورًا على تسليمه. [3]
وبيع الغرر ثابت الحرمة في السنة فيما رواه أبو هريرة) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الغرر [4] . وقد أجمعت الأمة على حرمة بيع الغرر. لكن عقود البيع لا تكاد تخلو من بعض الغرر، ولذلك فالحرمة مقصود بها كثير الغرر لا قليله. وقد ضربوا لبيوع الغرر أمثلة كبيع الطير في الهواء والسمك في الماء ونحو ذلك. وتسمى بيوع الخطر ومنها بيع حبل الحبلة وبيع البعير الشاردة ... .. الخ.
والشبه بين الغرر الذي جاءت الشريعة بمنع البيوع المشتملة عليه، وبين المخاطرة في المفهوم المالي المعاصر موجود ولكن بينهما اختلاف [5] :
-أن الغرر إنما هو خلل في الصيغة التعاقدية يتولد عنه مخاطرة، لكن المخاطرة بحد ذاتها لا تؤدي إلى فساد العقد. أما الخطر بمفهومه المالي فهو أمر يتعلق بالملابسات المحيطة بالعمليات المترتبة على العقد والتي ربما فوتت حصول الغرض الذي يرمي إليه من يتعرض لهذا الخطر.
فمثلًا عند بيع سلعة بثمن آجل، فإن هذا عقد بيع جائز ليس فيه غرر لأن الحقوق والالتزامات التي يولدها هذا العقد على الطرفين واضحة في صلب العقد. ولكن هذا العقد ربما تضمن مخاطرة عالية بالتعريف المالي إذا كان المشتري ذا ملاءة ائتمانية متدنية، أو لم يكن الدين موثقًا بالرهن أو الضمانات الشخصية .. الخ. ومن جهة أخرى نجد أن بيع سلعة بثمن مؤجل ولكن هذا الثمن مربوط بمؤشر مالي مثل ليبور فإذا جاء وقت السداد تحدد المبلغ بصفة نهائية بناء على ذلك المعدل. لا ريب أن هذا العقد يتضمن مخاطرة أقل مقارنة بعقد يكون الثمن المؤجل فيه ثابتًا لا يتغير. إلا أن ربط الثمن بمؤشر يدخل في العقد غررًا كثيرًا يفسده مع أنه أقل مخاطرة. بينما أن الثمن المؤجل الثابت أقل غررًا مع أنه أعلى مخاطرة. [6]
-على ذلك يمكن أن نقول إن الغرر معنى مختلف عن الخطر في المفهوم المالي وإن كان بينهما شبه. فالغرر إنما يعني بالعلاقة التعاقدية وهو يوجد أو لا يوجد اعتمادًا على صيغة العقد. بينما أن الخطر يتعلق بالظروف المحيطة بالعقد. وهذه الظروف ليست لها علاقة مباشرة بصيغة العقد. فالعقود في الشريعة الإسلامية يجب أن تكون واضحة في بيان الحقوق والالتزامات المتولدة منها، فإذا شابها الغموض أو عدم الوضوح انقلبت إلى عقود خطرة غرر، بصرف النظر عن الظروف الخارجية المحيطة بالمتعاقدين فإن هذه لا تدخل في مفهوم الخطر بمعناه الفقهي. [7]
-والغرر مفهوم ساكن، ولذلك إذا انعقد العقد على غير غرر لم يدخله الغرر بعد ذلك. ففي المثال الذي قدمناه أعلاه إذا مات المدين فلا يقال إن العقد دخله الغرر فيفسد بعد أن كان عقدًا
(1) - المبسوط، موسوعة الفقه الاسلامي، المكتبة الالكترونية، ج 13 ص 194.
(2) - شرح منتهى الارادات، موسوعة الفقه الاسلامي، المكتبة الالكترونية ج 2 ص 145.
(3) - بداية المجتهد، موسوعة الفقه الاسلامي، المكتبة الالكترونية، ج 2 ص 148.
(4) - رواه أبو داود عن أبي هريرة، باب بيع الغرر، 3/ 254، والبيهقي عن ابن عمر 5/ 302، والدارقطني عن ابن عباس 3/ 15.من موسوعة الحديث الشريف، المكتبة الالكترونية.
(5) - محمد علي قري، المخاطر الائتمانية في العمل المصرفي الإسلامي، المرجع السابق.
(6) - محمد علي قري، المخاطر الائتمانية في العمل المصرفي الإسلامي، المرجع السابق.
(7) - محمد علي قري، المخاطر الائتمانية في العمل المصرفي الإسلامي، المرجع السابق.