إن المسألة التي ذكرناها آنفًا ليست جديدة، إذ المطل معروف منذ القديم. وقد ورد النهي عن المطل في السنة الصحيحة وذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم:) مطل الغني ظلم (. [1] وقوله - صلى الله عليه وسلم:) لي الواجد ظلم يبيح عقوبته وعرضه (. [2] http://www.elgari.com/article 91.htm - _ftn 7
وقد أجمع الفقهاء على أن الغني الواجد آثم إذا مطل، وان لولي الأمر معاقبته بالحبس أو الضرب أو التشهير به أو أن يكرهه على بيع ماله أو أن يبيعه بدون إذنه لسداد غرمائه [3] وان أخفى ماله فله (أي لولي الأمر) حبسه وضربه حتى يظهره. إلا أن يكون معسرًا فيؤجل عندئذ إلى الميسره، كما نص على ذلك قول الله - جل جلاله: {فإن كان ذو عسرة فنظره إلى ميسره} [4] .
ولذلك فان الأحكام الفقهية المتعلقة بمطل الغني والتي تمثل رأي جمهور فقهاء المذاهب معروفة مشهورة، ويمكن تلخيصها بما يلي [5] :
1)لا يجوز للغني أن يمطل دائنه أو أن يؤخر سداد ما عليه إذا حل أجل ذلك وهو واجد قادر على التسديد فان فعل فهو آثم ظالم كما نص على ذلك حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وجمهور الفقهاء على أن فاعل المطل فاسق، وأن مَنْع الحق مع تكرار المطالبة به كبيرة.
2)للدائن أن يرفع أمره إلى القضاء، وللقاضي التعزير به ومعاقبته في بدنه أو في عرضه (بالتشهير به وذمه) . والأصل عدم جواز التعزير بالمال أي توقيع الغرامات المالية عليه [6] http://www.elgari.com/article 91.htm - _ftn 10.
3)وليس للدائن الذي تعرض لمطل المدين أن يطالبه بالتعويض ماليًا عن ما فاته من وقت أو ربح أو ما إلى ذلك مما يترتب عليه زيادة الدين في ذمته، ويستثنى من ذلك التعويض عما غرمه الدائن بسبب الشكاية إذا كان هذا التعويض على وجه المعتاد [7] .
4)ولا يكون التعزير إلا بحكم القاضي، فليس للدائن أن يباشر بنفسه عقاب المدين بأي صورة من الصور، بما في ذلك الغرامات المالية ويستثنى من ذلك الملازمة [8] http://www.elgari.com/article 91.htm - _ftn 12.
5)إذا كان المدين معسرًا بالمعنى الشرعي للإعسار، أمهل إلى ميسره عملًا بقوله تعالى: {فان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسره} .
أولًا: لقد تزايدت عمليات التمويل بالدين لتشمل كل قطاعات الاقتصاد، بما فيها قطاع الاستهلاك. أضحت المداينة عادة مضطردة عند الناس جميعًا وعرفًا سائدًا في حياتهم. وقد ترتب على ذلك أن أصبح أكثر الأفراد في المجتمع مدينين، للبنوك وللتجار ولشركات البيع بالتقسيط
(1) - متفق عليه من رواية أبي هريرة.
(2) - أخرجه ابن ماجه.
(3) - وقد أجاز ذلك المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبان، وقال أبوحنيفة لا يجوز إلا برضاه (بدائع الصنائع 7/ 174) .
(4) - والإعسار في المصطلح الشرعي يعني عدم قدرة المرء على أداء ما عليه من مال، ولا يلزم أن يكون المعسر معدمًا.
(5) - محمد علي قري، مطل الغني وطرق معالجته في الاقتصاد الإسلامي. من موقع محمد علي قري 2002: www.elgari.com
(6) - قال في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 355) "لا يجوز التعزير بأخذ المال إجماعًا"وقال الشافعي"إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال" (نقله أبورخيه عن البيهقي 8/ 279) ، وقال في المغني"والتعزير يكون بالضرب والحبس والتوبيخ ولا يجوز بقطع شئ منه لا جرمه ولا أخذ ماله ..." (المغني 8/ 336) . وقد ذكر بعض الفقهاء ان العقوبة بالمال كانت في الاسلام ثم نسخت، وقد إنتصر ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (ج 2 ص 98) لرأي من قال أن لا دليل على نسخ حكم العقوبة بالمال فقال"والصواب انه (أي التعزير بالمال) يختلف باختلاف المصالح ويرجع فيه إلى إجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان حسب المصلحة إذ لا دليل عل النسخ ..."وقال في الطرق الحكمية (ص 266) "وأما التعزير بالعقوبات المالية فمشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي".
(7) - نقله عبدالله بن سليمان بن منيع عن ابن تيميه في الاختيارات والمرداوي في الانصاف والشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ في فتاوى ومسائل. أنظر"بحوث في الاقتصاد الاسلامي"للشيخ بن منيع (ص 405) .
(8) - والملازمة كما ذكر الجصاص في أحكام القرآن"أن يكون مع المدين من قبل الدائن من يراعي أمره في كسبه فيترك له مقدار القوت ويأخذ الباقي قضاء من دينه" (الجصاص، أحكام القرآن 1/ 478) .