الخ. ولما انتشرت المداينات كثرت المشكلات والمصاعب المصاحبة لعلاقات المديونية، ومن أهمها المطل في السداد. لكن الأمر اليوم يختلف عن الماضي يوم كان عدد المدينين محدودًا يمكن معه أن يقعوا جميعًا تحت طائلة العقاب بالسجن أو الضرب أو التهديد به أو ما إلى ذلك. إذ صار عدد من يوصف بالمطل آلاف من الناس، لكثرة عدد المدينين ابتداءً، ثم ثانيًا لتدني مستوى الالتزام بقيم العدل والمروءة لدى أفراد المجتمعات، لا سيما أن الدائن في أغلب الأحول صار مؤسسة مالية وليس تاجرًا أو محسنًا يرتبط المدين معه بعلاقة شخصية ويشعر تجاهه بالاحترام أو الحياء وتمنعه العلاقات الأسرية أو الجوار والرفقة من المطل في السداد إلا في حال العسرة. [1]
إن التعزير بالعقوبات غير المالية مثل الحبس أو الضرب لا يمكن تطبيقه في مثل هذه الأوضاع، لأن من يقع تحت طائلة هذه العقوبات سيكون أعدادًا كبيرة جدًا من أفراد المجتمع لا يمكن للسجون مهما عظمت أن تستوعبها. إضافة إلى ما يمكن أن يترتب على ذلك من تكاليف اجتماعية واقتصادية باهظة مثل تعطيل أعداد كبيرة من أفراد المجتمع عن العمل والإنتاج، وعظم تلك التكاليف التي تتحملها الجهات المسئولة عن ذلك في سبيل تنفيذ ملاحقة المدينين وتنفيذ الأحكام القضائية عليهم المتضمنة لعقوبات من هذا النوع.
ثانيًا: ثم إن عرف الناس، في تعاملهم المالي ونشاطهم التجاري، قد قام على أن النقود التي تكتنز فلا يعمل فيها بالاستثمار بأنواعه تعد محققة للخسارة لصاحبها حتى لو بقيت برأسمالها وقيمتها الاسمية. ولقد ساعد على تولد هذا العرف ما تعانيه المجتمعات المعاصرة من تضخم يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود، فإذا لم تستثمر لتولد أرباحًا صارت مصيبة صاحبها أعظم وخسارته أجسم. ولما توافرت في اقتصاديات اليوم الاستثمارات المالية التي تتميز بخاصية السيولة أضحى بإمكان الفرد الانتقال من نوع من أنواع التوظيف إلى آخر بيسر وسهولة وبتكاليف متدنية بحثًا عن مزيد من الأرباح وتفاديًا للاكتناز. هذا يعني: أن تأخر المدين عن سداد الدين يعني بالضرورة أن الأخير قد حقق الخسارة حتى لو سدد المدين المبلغ المستحق كاملًا غير منقوص إلى الدائن، إذا كان يفعل ذلك بعد مرور زمن على تاريخ حلول الدين. ففرصة الاسترباح من المال التي أضاعها المدين على الدائن بمماطلته هي فرص حقيقية موجودة بسبب خاصية السيولة وبخاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة مصرفية متمرسة بأمور توظيف الأموال. [2]
لا ريب أن المماطلة في سداد الدين تعد أهم مشكلة تواجهها البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية حاليًا. [3]
(1) - محمد علي قري، مطل الغني وطرق معالجته في الاقتصاد الإسلامي، المرجع السابق.
(2) - محمد علي قري، مطل الغني وطرق معالجته في الاقتصاد الإسلامي، المرجع السابق.
(3) - مجلس الخدمات المالية الاسلامية، المبادئء الارشادية لادارة المخاطر للمؤسسات ... ، المرجع السابق.