فهرس الكتاب
فإذا سقط الإنسان سقطة أو زلّ زلة حيث لا تراقبه عين، ولا يعلم به أحد، تحول هذا الإيمان نفساً لوامة، عنيفة، لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بجرمه، ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة، ويتحملها مرتاحاً مطمئناً؛ تفادياً من سخط الله، وعقوبة الآخرة.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أتَى رَجُلٌ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ فقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي زَنَيْتُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقَالَ: «أبِكَ جُنُونٌ؟» . قَالَ: لا، قَالَ: «فَهَلْ أحْصَنْتَ» . قَالَ: نَعَمْ، فقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» متفق عليه.
وكان هذا الإيمان الذي أكرمهم الله به حارساً لأمانة الإنسان وعفافه وكرامته، يملك نفسه أمام المطامع والشهوات الجارفة، وفي الخلوة والوحدة حيث لا يراه أحد، وفي سلطانه ونفوذه حيث لا يخاف أحداً.
وكل ذلك ثمرة الإيمان ومراقبة الله، واستحضار علمه في كل مكان وزمان.
وكانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من الأخلاق والسلوك والأفعال، والشرك، والظلم والفساد، لا يخضعون لسلطان، ولا يقرون بنظام، يسيرون على الأهواء، ويركبون العمياء، ويخبطون خبط عشواء.
فأصبحوا الآن في حظيرة الإيمان والعبودية لا يخرجون منها، واعترفوا لله بالملك والسلطان، والأمر والنهي، والتحليل والتحريم، بالعبودية لله، والطاعة المطلقة لله ورسوله، واستسلموا لربهم، وأصبحوا عبيداً لا يملكون مالاً ولا نفساً، ولا تصرفاً في الحياة إلا ما يأذن الله به ويسمح به.
لا يحاربون ولا يصالحون إلا بإذن الله، ولا يرضون ولا يسخطون ولا يعطون ولا يمنعون، ولا يَصِلون ولا يقطعون إلا بإذن الله وفق أمره.
هذا الإيمان الذي انطبع في قلوب الجماعة التي اختارها الله لقيادة البشر ودعوتها بهذه العقيدة.