فهرس الكتاب
إنه ليس المستوى الحضاري المادي هو الذي يكون عليه الحكم. فالحضارة المادية تنمو بنمو وسائلها التي ينشئها"العلم"الصاعد.. ولكن ميزان الحياة في فترة من الفترات هو التناسق والتوازن بين جميع أجزائها وأجهزتها وأوضاعها.. هو التوازن الذي ينشئ السعادة والطمأنينة ، والذي يطلق الطاقات الإنسانية كلها لتعمل دون كبت ودون مغالاة في جانب من جوانبها الكثيرة.. والفترة التي عاشت بالإسلام كاملاً لم تبلغها البشرية - بعيداً عن الرسالة - في أي عصر.. والخلخلة وعدم الاتزان هو الطابع الدائم للحياة في غير ظل الإسلام ؛ مهما التمعت بعض الجوانب ؛ ومهما تضخمت بعض الجوانب. فإنما تلتمع لتنطفئ جوانب أخرى. وإنما تتضخم على حساب الجوانب الأخرى.. والبشرية معها تتأرجح وتحتار وتشقى.
ونقف عند هذا الحد - المناسب لسياق الظلال - في الحديث عن الإيحاءات القوية العميقة ، التي يثيرها في النفس قول الله تعالى:
{رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ..
لنمضي بعدها مع السياق القرآني:
{لكن الله يشهد بما أنزل إليك. أنزله بعلمه. والملائكة يشهدون. وكفى بالله شهيداً} .
فإذا أنكر أهل الكتاب هذه الرسالة الأخيرة - وهي جارية على سنة الله في إرسال الرسل لعباده {مبشرين ومنذرين ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وأهل الكتاب يعترفون بالرسل قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - اليهود يعترفون بمن قبل عيسى - عليه السلام - والنصارى يعترفون بهم ، وبعيسى الذي ألهوه كما سيجيء.. فإذا أنكروا رسالتك - يا محمد - فلا عليك منهم. فلينكروا:
{لكن الله يشهد بما أنزل إليك. أنزله بعلمه. والملائكة يشهدون. وكفى بالله شهيداً} .
وفي هذه الشهادة من الله.. ثم من ملائكته ومنهم من حملها إلى رسوله.. إسقاط لكل ما يقوله أهل الكتاب. فمن هم والله يشهد؟ والملائكة تشهد؟ وشهادة الله وحدها فيها الكفاية؟!