فهرس الكتاب
قلت: معنى هذا الأمر الوعيد والتهديد والمبالغة في الزجر عما هم عليه من الكفر فكأنه قال أقيموا على ما أنتم عليه من الكفر إن رضيتم لأنفسكم بالعذاب الدائم فهو كقوله تعالى: (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) ففيه تفويض أمر العمل إليهم على سبيل الزجر والتهديد وليس فيه إطلاق لهم في عمل ما أرادوه من الكفر والمعاصي.
(قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ...(151)
«فإنْ قلتَ» : ترك الإشراك واجب فما معنى قوله (ألا تشركوا به شيئا) لأنه كالتفصيل لما أجمله في قوله (حرم ربكم عليكم) وذلك لا يجوز؟
قلت الجواب عنه من وجوه:
الوجه الأول: أن يكون موضع أن رفع معناه هو أن لا تشركوا له.
الوجه الثاني: أن يكون محل النصب، واختلفوا في وجه انتصابه فقيل معناه حرم عليكم أن تشركوا وتكون (لا) صلة.
وقيل: إن حرف (لا) على أصلها ويكون المعنى: أتل عليكم تحريم الشرك أي لا تشركوا، ويكون المعنى أوصيكم أن لا تشركوا لأن قوله (وبالوالدين إحسانا) محمول على: أوصيكم بالوالدين إحسانا.
الوجه الثالث: أن يكون الكلام قد تم عند قوله حرم ربكم، ثم قال: عليكم أن لا تشركوا على الإغراء أو بمعنى فرض عليكم أن لا تشركوا به شيئا ومعنى هذا الإشراك الذي حرمه الله ونهى عنه هو أن يجعل الله شريكه من خلقه أو يطيع مخلوقا في معصية الخالق أو يريد بعبادته رياء وسمعة ومنه قوله: (وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) .
قوله تعالى: (ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ)
«فإنْ قلتَ» : إتيان موسى الكتاب كان قبل نزول القرآن وحرف (ثم) للتعقيب فما معنى ذلك؟
قلت: دخلت ثم لتأخير الخير لا لتأخير النزول، والمعنى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
وهو كذا وكذا إلى قوله تعالى (لعلكم تتقون) ثم أخبركم أنَّا آتينا موسى الكتاب.