والثانية: كونه بحيث يكون سَبَاً لظهور غيره، فالمراد من كونه «نوراً وهدى» هذان الأمران وقد وُصِفَ القرآن أيضاً بهذين الوصفْينِ، فقال: {ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] .
{تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) }
«فَإِنْ قِيلَ» : إن كل كتاب لا بد وأن يوضع في القراطيس، فإذا كان الأمر كذلك في كل الكتب، فما السبب في أن الله - تبارك وتعالى - حكى هذا المعنى في معرض الذَّمِّ لهم؟
فالجواب: أن الذَّمِّ لم يقع على هذا المعنى فقط، بل المراد أنهم لما جعلوه قراطيس، وفَرَّقُوهُ وبعَّضُوُ، لا جَرَمَ قدروا على إبداء البَعْضِ وإخْفَاءٍ البعض، وهو الذي فيه صِفَةُ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يقدرون على ذلك، مع أن التوراة كتابٌ وصل إلى أهل المَشْرِقِ والمغرب، وعرفه أكثر أهل العلم وحَفِظُوهُ، ومثل هذا الكتاب لا يمكن إدخال الزيادة والنقصان فيه، كما أن الرَّجُلَ في هذا الزمان إذا أراد إدخال الزِّيَادَةِ والنقصان في القرآن لم يقدر على ذلك، فكذا القول في التَّوْرَاةِ؟
فالجواب أنا ذكرنا في سورة «البقرة» أن المراد من التَّحْرِيف تفسير آيات التوراة بالوُجُوهِ الفاسدة الباكلة، كما يفعله المبطلون في زَمَانِنَا هذا بآيات القرآن.
«فَإِنْ قِيلَ» : هَبْ أنه حصل في التوارة آياتٌ دالَّةٌ على نبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلاَّ أنها قَلِيلةٌ ولم يخفوا من التوارة إلاَّ تلك الآيات، فكيف قال: «ويخفون كَثِيراً» ؟
فالجَوابُ أن القوم [كانوا] يخفون الآيات الدَّالَّة على نبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فكذلك يخفون الآيات المشتملة على آيات الأحكام ألا ترى أنهم حاولوا إخفاء الآية الدالة على رجم الزاني المُحْصَنِ.
قوله: «قل الله» لفظ الجلالة يجوز فيها وَجْهَان: