فهرس الكتاب
ولما كان مقتضى الرحمة والفضل أعم وأسبق من مقتضى العدل .. كان جزاء الظالمين المسيئين على قدر استحقاقهم، ومنهم من يعفو الله عنه، فالجزاء على الإساءة قد ينقص منه بالعفو والمغفرة ولا يزاد فيه، وإنما الزيادة في الجزاء على الإحسان {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} .
وبيان الدين لهذا النوع من الجزاء رحمة أيضًا، فما مثله إلا مثل الحكومة العادلة تبيِّن للأمة ما تؤاخذ عليه من الأعمال الضارة، وما تكافئ به من يصدق في خدمتها ويرقى إلى سماء العزة والكرامة. وقد سبق حديث الشيخين وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله لما خلق الخلق كتب كتابًا عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي"والمراد بالسبق هنا: كثرة الرحمة وشمولها، كما يقال: غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثرا فيه.
والخلاصة: أنه لما قال: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} فكأنه قيل: وما تلك الرحمة؟ فقيل: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} ذلك أنه لولا خوف العذاب يوم القيامة لحصل الفساد في الأرض، واختلت نظم الاجتماع، وأكل القوي الضعيف، ولا وازع ولا زاجر، فصار التهديد بهذا اليوم من أسباب الرحمة.
وقوله: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} في محل النصب على الذم، أو في محل الرفع على الابتداء، والخبر قوله: {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} والفاء فيه للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم، فإن إبطال العقل وإتباع الحواس والوهم، والانهماك في التقليد، وإغفال النظر .. أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع من الإيمان.
فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن خسرانهم سبب لعدم إيمانهم، والأمر بالعكس؟
أجيب: بأن سبق القضاء بالخسران والخذلان هو الذي حملهم على الامتناع من الإيمان بحيث لا سبيل لهم أصلًا. اهـ"كرخي"؛ أي: فمعنى {خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} : قضى عليهم بالخسران، فصح السبب في قوله: {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} .